الدين السياسى

10.2.09 |


بقلم حنان الشريف


أرى ويرى معى صاحب كل بصر وبصيرة ما يحدث حولنا اليوم فى العالم العربى، والمقصود هنا بكلماتى هو تسيس الدين. فكلٍ أصبح يلعب على وتر "هذا ما أنزله الله" حتى وان كان لم ينزل الله به من سلطان فى اى كتاب، بل إن اغلب ما يقال برئ منه الله. فجميع ما يلقى على مسامع البشر ما هو الا شعارات تلعب بمشاعر الآخرين، ويالعجب العجاب، فالبعض اكتشف فجأة أنه كان بعيداً عن الله كل البعد وأن انسياقه خلف هذه الشعارات حتما سيدخله الجنة من اوسع ابوابها

اصبح الدين هو الكلمة السحرية لكل صاحب بضاعة يريد رواجها. أنظر حولى نظرة سريعة واذهب إلى تاريخ اليوم لأجد أننى أحيا فى العصر الحديث بل فى الألفية الثالثة ولست ما قبل التاريخ، مع كامل احترامى وتقديرى لاجدادنا الذين برغم ظروف الحياة القاسية التى كانوا يحيونها فى تلك الحقبة الزمنية إلا انهم دللوا لنا على كيفية استخدام العقل، بدءاً من العصر الحجرى مروراً بعصر المعادن وصولاً إلى العصر الحديث، ومن المفترض أنه مع تقدم الزمان والتطور التكنولوجى الذى يؤهل الإنسان لمزيد من الإبتكار والإختراع ليفيد نفسه ويفيد مجتمعه، إلا أن الواضح اليوم هوعكس ذلك تماما! فكلما تطور الزمان كلما وجدنا حولنا من يقف مكانه متجمدأ، وليته يملك من مقومات المعرفة ابعد من تحت قدميه! وليته يعلم قدر الوهن الذى يعانيه ويتعلم من غيره أو حتى يصمت، كلا، إنه يريد ان تقف عجلة التطور وآلة الزمن ويلخصها فى ثرثرة لا تثمن ولا تغنى من جوع. وإن أخطأت وفكرت فى التحاور معه ينعتك بالكفر، فإما تصمت وإما تصب عليك اللعنات والويلات! حقاً هؤلاء يستحقون الشفقه والرثاء. فكل ما يعانون منه هو نتيجة للخطاب الدينى الذى يلقى على مسامعهم ليل نهار، وهم لا يدرون الغرض وماذا يريد منهم من يصر على اختزال الدين فى المظهر والبعد عن الجوهر وتغيير التعريف الصحيح للدين، وهو المعاملة.

الفاجعة أن هؤلاء المغيبون لا يدركون حجم الكارثة التى سيحياها المجمتع إن هو انصاع خلفهم. حيث المثقفون كفرة، والفنانون فجرة، والمرأة عورة، والحرية ذنب لابد له من عقاب، بينما لا غضاضة فى مأجورين واصحاب مصالح يروجون لمثل هذا الفكر حتى تتحقق مآربهم ومطامعهم الشخصية! وكل يوم تتزايد فجاجة الخطاب الدينى وتتزايد الشعارات الرنانة واللعب على مشاعر الطبقة الدنيا مستمر، فلم يعد هناك مكان بيننا لكلمة شورى وتلاشت الأخلاق وانتفى الذوق العام.

ليس العيب فى الدين وإنما العيب فى فظاعة الخطاب الدينى الذى يلقى على مسامعنا، وبنظرة سريعة على بعض المجتمعات الإسلامية نجد أن المفهوم السائد هو أن المرأة العورة صوتها حرام وخروجها من المنزل دون محرم حرام وقيادتها السيارة ذنب لا يغفر الا بإراقة دمها، وعن المعاملات فمن حق الكفيل ان يأكل مال العامل كيفما يشاء ومتى شاء، ولا يهم "اعطوا الأجير حقه قبل ان يجف عرقه"! لن اذهب بعيدا، وساعود إلى المشتركة معنا فى الحدود، فلسطين، تلك الكلمة التى تلاشت حروفها لتتمثل فى غزة وحماس! فمن حرب داخلية الى مجزرة صهيونية لا يهم الشعب ولا تهم الأرواح، الأهم هو الحفاظ على السلطة! وسأعود إلى داخل الحدود حتى لا اتناسى بالطبع "طز فى مصر وشعبها" والتى رددها مرشد مرتدى عباءة الدين السياسى، ولا ادرى لما كل هذا اللهاث خلف حكم بلد لا تهم ولا يهم شعبها؟ فرفقاً بالعقول! فليس الجميع بمستمع الى تلك الخطابات ولا هو مصدق لتلك الشعارات مهما على صوتها.

وإن كان لكل مرحلة شعار يلتف حوله مؤيديه ويردده معتنقيه، فأنا شعارى الدائم والذى لم ولن يتغير.. "الانسان هو الحل


النص الكامل للمقال

الجنس و المرأة و المجتمع المحافظ

9.2.09 |


بقلم ماجد ماهر


الدفاع عن الفضيلة‍!

ما هو المجتمع المحافظ؟ هو ذلك المجتمع الذي تحكمه و تتحكم فيه أعراف و تقاليد أجتماعية بحجة الحفاظ علي الأخلاق و المبادئ، مجتمع يمتلك أي شخص فيه حقا مزيفا للتطفل علي الحياة الشخصية للأخرين بحجة تحقيق الفضيلة و تجنب الرذيلة، حقا مكتسبا من سلطة اجتماعية قامعة تبني شرعيتها علي جثث الحريات الفردية متذرعة بواجب قومي وهمي وهو التحكم في سلوكيات أفراد المجتمع لينعم بالقداسة و الفضيلة

وحقيقة الأمر أن هذا المجتمع هو مجتمع مريض بأمراض أجتماعية عديدة منها الانكار و التسلط و الكبت و أهمها غياب العدالة، هو مجتمع غير ناضج، لا يعي كيف يتعامل مع واقع الحياة فيدفن رأسه في الرمال حتي لا يري المشكل
أما الجنس فهو ذلك الاحتياج العميق جدا إلي الحب و التلاقي روحا و جسدا، هو الاحتياج للمسة الحانية و هو الأحتياج للتفهم العميق ، هو الاحتياج للحضن الدافئ و هو الاحتياج لمتعة الأخذ و روعة العطاء، و هو علاقة تعبر عن احتياج الكيان الانساني للأتحاد بآخر و الشوق و اللهفة اللذان لا ينطفائان للحظات من العذوبة و الدفء نتاج هذا الأتحاد
و العلاقات كما أدركها تتمايز إلي نوعين، علاقات سلطوية مبنية علي أن يسيطر طرف علي أخر، طرف أقوى و طرف أضعف، و أخرى تكافؤية مبنية علي التكافؤ و المساواة في الحقوق و الواجبات و لا يوجد فيها أضعف و اقوى بل فيها نديين. و بما أن الجنس هو علاقة فلابد لها أن تأخذ شكل من الأثنين
و بما أن المجتمعات المحافظة تخشي الحرية و دائما ما تربط بين الحرية و الانحلال و بين التقييد و الفضيلة، لذلك أختارت المجتمعات المحافظة أن تتعامل مع الجنس بالتقييد حتي تضمن الفضيلة الظاهرية بالطبع و التي تخفي ورائها الكثير و الكثير من مظاهر الظلم البين و الجلي
أما المرأة فهي الطرف الذي قررت المجتمعات المحافظة أن عليه أن يدفع الثمن، فلابد علي طرف أن يخنع حتي تستقر العلاقة السلطوية. تدفع الثمن من حريتها و من أنسانيتها، من كونها راشدة تمتلك زمام حياتها الي كيان تحت الوصاية حتى ولو كانت في الأربعين من عمرها، من كونها كيان قائم بذاته و ليست مجرد تابع لانسان أخر كل ما يميزه هو امتلاكه لعضو ذكري، من كونها إنسانة تمتلك كل ملكات الانتاج المهني بكافة صوره الي مجرد زوجة و أم. إن الذكر في هذة المجتمعات سلب المرأة الكثير و الكثير من حقوقها و أعطي لنفسه في المقابل حقوقا لا يستحقها بحجة الدفاع عن الفضيلة
هذة المجتمعات التي تدعي الفضيلة، هي مجتمعات تمارس ظلم منهجي و أنتهاك منظم للمرأة، فمن البداية و هي طفلة تتلى عليها التعليمات العسكرية "ما تتضحكش بصوت عالي، ما تلعبش كتير مع ولاد، ما تعليش صوتك، أتكلمي بأدب، البنت المؤدبة لازم صوتها يكون واطي" و كأن حتى الغضب و الأنفعال أمر غير مشروع
و قبل ان تصير فتاة تخضع لعملية أقل ما يقال عنها أن قذرة و وحشية لبتر جزء من جهازها الجنسي أيضا بحجة الدفاع عن الفضيلة، و بالطريقة الشنيعة تلك تتعرف المخلوقة الغلبانة على المدعوق الجنس في لقاء لا يتميز إلا بالصراخ و الدم و الصدمة النفسية التي غالبا ما ترتبط في نفسها بالجنس لاحقا
و لما تدخل المراهقة و ينضج جسدها و تظهر عليها علامات الأنوثة تبدأ معها المراقبة العسكرية المشددة، و يا سلام بقي لو ليها أخ ذكر يمارس كل عقده النفسية و يطلع كبته عليها و طبعا المجتمع سيشيد به و يأمرها أكتر بالطاعة و الخضوع
و تيجي تدخل الجامعة تتحدد و تتحجم اختياراتها و غالبا ما تُمنع من السفر لكلية في العاصمة مثلا، ما هو يعني ازاي تعيش لوحدها من غير ما يبقي في راجل يراقب سلوكها و يتحكم فيها؟
و الطامة الكبري لما تتخرج، تبدأ الأسرة فورا في البحث عن أي ذكر و تعمل جاهدة علي شنكلته علشان الجواز سترة، أو بمعني أخر الزواج هو الشكل الأجتماعي الوحيد المقبول من المجتمع للفتاة، فالحياة أصلا للرجالة و الستات أتخلقوا علشان يبغددوا و يدلعوا الرجالة و بالتالي يعني ايه بنت تقعد لسن خمسة و عشرين و لا تلاتين من غير جواز؟ و ده طبعا يدي الحق للبواب و بتاع العيش و المكوجي إنهم يسألوا في السر أو في العلن ليه لحد دلوقتي لم يتم أدخال هذة الأنثى و التي هي خطر فاضح علي المجتمع تحت وصاية ذكر؟
وبما أن المجتمع قرر أن تلعب الأنثى دور الطرف الضعيف في العلاقة السلطوية بينها و بين الذكر، لذلك فهي دائما الملومة. فلو مارست الجنس خارج الزواج تتفضح و لو امكن تتدبح، (أحصائيا عدة الاف من النساء سنويا يتم قتلهن في الوطن العربي تحت مسمي جرائم الشرف.) أما هو لو قام بنفس الفعل فله الفخر، فهو الواد المخلّص! وهكذا تتحول العلاقة بين الراجل و الست الي علاقة صياد بفريسته، و لو تم أغتصابها يبقي أكيد كانت لابسة لبس خليع و هي السبب اللي حركت غريزة الحيوان اللي أغتصبها. و حيوان هنا ليست شتيمة و أنما هي الوصف الأدق للكائن الفاقد السيطرة تماما علي غرائزه
و لما تتجوز تفقد ملكيتها لجسدها (ما هو اللي عامل مشاكل من الأول) و حتي لو أغتصبها جوزها يبقي حقه، ما هو جسدها ده أصلا ملكه، فضلا عن أنها موجودة لأشباعه جنسيا ، مش أن هما الأتنين موجودين لأشباع بعض، و بعدين هو يعمل اللي هو عايزه في السرير لأنه الزوج صاحب الحقوق المقدسة مهما كان شاذ أو غريب، وبغض النظر عن رضاها من عدمه. إنما هي لو عبرت عن أحتياجها لشئ معين منه تبقي ست عينيها مفتوحة و مش متربية و طبعا ده ممكن يخليه يشك في أخلاقها و ماضيها
و لو طلع راجل عصبي و لا بخيل و لا عنيف لازم تستحمله. مش هو راجلها؟ و لو طلبت الطلاق يطلع عينيها، و لو أتطلقت يبدأ المجتمع الشريف الطاهر في ممارسة كافة أشكال الوصم و التمييز ضدها، ازاي يعني نسيبها من غير راجل يلمها و يحمينا من شرها و فتنتها؟
وده طبعا فضلا عن التمييز في العمل و التمثيل في الحياة العامة، بمعنى عندنا كام وزيرة و لا كام عضوة في البرلمان؟ و هل ممكن تترشح واحدة ست للرئاسة؟
أه يا مجتمع فاسد يدعي الشرف و يذبح الضعيف، أه يا قلبي الموجوع علي مجتمع قدس الظلم و أله التمييز
كام ست عملت خدها مداس و عاشت طول عمرها تتضرب من جوزها سبع البرمبة علشان لو أتطلقت المجتمع هينهشها؟
كام ست سكتت و كتمت في قلبها أحساسها بالاهانة من كلب أتحرش بيها في الضلمة لأنها لو أتكلمت المجتمع هيدبحها و برضه تحت مسمي الفضيلة؟
كام ست كانت ممكن تبقي عالمة أو مخترعة و قعدت في البيت بالغصب و الضرب و مالقيتاش اللي يدافع عنها و يساندها في مجتمع ذكوري ظالم؟
كام ست كانت ليلة دخلتها عملية أغتصاب كاملة من راجل مكبوت أو مريض و اتحرمت حتى من الكلام عن وجعها لأنه عيب؟
كام ست جوزها راماها و أتجوز عليها أتنين و تلاتة و عاشت تطالبه بحقها في ربع راجل و أمعن هو في إذلالها؟
كام ست صرخت لسنين في الكنايس اللي رافضة الطلاق و طلقوها بعد ما راح شبابها أو سابوها متعلقة؟
كام ست عانت من تحرشات و إنتهاكات من مديرها و لا من صاحب المصنع اللي أستغل فقرها و حماية المجتمع له لأنه بس ذكر و مقدرتش تتكلم؟
كام ست عانت بدون رضاها من ممارسات جنسية شاذة و يمكن سادية من جوزها و اللي مفروض يكون أحن الناس عليها؟
كام ست أتقتلت لمجرد الشك في سلوكها و الجريمة أتطبخت و الراجل طلع برئ و يمكن بطل؟
في النهاية بصفتي رجل أشعر أني مدين للنساء كلهن باعتذار عما بدر من أبناء جنسي من أسوأ أستغلال لمعني و قيمة الرجولة لفرض السلطة و الهيمنة الذكورية عليهن منذ فجر التاريخ و حتى الأن حتى لو لم أشترك في ذلك أنا شخصيا


النص الكامل للمقال

مصر أولا

8.2.09 |



بقلم فانتازيا

تشرفت بالانضمام لمجموعة من الاصدقاء المؤسسين لحركة 14 فبراير، والتي ترفع شعار "مصر أولا". وقد ظننت في أول الأمر أن مثل هذا التصريح هو أمر بديهي، لا يحتاج إلى حركة أو احتفالية عامة للتعبير عنه، خاصة أننا جميعا مصريون، وأمر طبيعي أن نلتف جميعا حول مبدأ أن مصر تأتي على رأس أولوياتنا كشعب
ولكن.. وآه من لكن

ولكن فوجئت عند بداية اطلاق الدعوة وتأسيس هذه المجموعة على موقع فيسبوك بهجوم عجيب الشأن.. وليس هذا هو المهم، فمن الوارد أن تقابل أي فكرة بالنقد أو الهجوم أو حتى التطاول.. لا يوجد إجماع على شيء في هذه الدنيا، ومن حق أي انسان أي يعترض على أي شيء. المفاجأة بالنسبة لي لم تكن في مبدأ المعارضة أو الهجوم، بل من مصدره.. فقد ذهلت حين وجدت أن أشد الهجوم والتهكم بل والخروج عن الآداب العامة في محاولة الاستهزاء من هذا الشعار "مصر أولا" تأتي من شباب مصري!! مصريون يحملون الجنسية المصرية!

وبعيدا عن تهافت المنطق الذي يتئك عليه هؤلاء في تهجمهم الشرس على مجرد طرح الفكرة، فالمزعج حقا هو ما ينضح به حديثهم وما يحملونه من شحنة من الكراهية تجاه بلدهم الأم! فهل من المعقول أو من الوارد أو من الاخلاقي أن يكون منطق البعض هو بما أن أمي فقيرة أو ضعيفة فأنا لا أدين بالولاء لها؟ وهل من المعقول أن يكون منطق البعض هو وضع مصلحة الجار فوق مصلحة أهل بيته؟

وما الجريمة يا ترى التي يرتكبها من يصرح بحبه لوطنه وأن هذا الوطن هو أعز ما عنده وهو ما يدين له بالولاء ويأتي على رأس أولوياته؟ وما الغريب في أن يقول مواطن مصري "بلدي أولا"؟ وما وجه الاستنكار هنا؟ هل عند أحدهم مشكلة في أن يقول السوداني "السودان أولا" أو أن يقول الماليزي "ماليزيا أولا" أو الفلسطيني "فلسطين أولا"؟ (رغم عدم قيام دولة فلسطينية حتى يومنا هذا، ولكن هذا لا ينفي أن انتماء الفلسطيني هو لأهله وأرضه) لا اعتقد أن تصريح أي مواطن في العالم بأن مصلحة وطنه تأتي أولا يعد شيئا غريبا يستحق الاستنكار أو الاستهزاء أو الشجب. إذن فلماذا ينفرد المصريون دون غيرهم بمثل هذه النظرة المشوهة للانتماء؟

توقفت كثيرا عند تعليقات البعض. وقد جاهدت نفسي للخروج من حالة الصدمة، ثم حالة عدم تصديق ما أرى، ثم حالة القرف والاشمئزاز التي اصابتني من بعض المزايدات الجوفاء التي تغلف كرها شديدا لمصر، لأتجاوز كل ذلك نحو محاولة الوقوف على ما قد يكون السبب وراء هذه الظاهرة الخطيرة

من الواضح أن هناك نوع من الضبابية عند البعض في ادراك معنى الدولة بمفهومها الحديث. فمن المعروف أن العالم القديم لم يعرف الحدود الجغرافية، وفي عصر ما قبل الامبراطوريات كانت القبلية هي المحددة للهوية الفردية وللكيان الذي يدين له الفرد بالولاء. ثم تطور ذلك المفهوم البدائي مع الوقت ومع بزوغ كيانات أكبر تضم الافراد على تنوع اصولهم القبلية أو العرقية، ولكن بقي البشر على مر عصور طويلة يحاولون جاهدين تحديد ملامح محددة لمثل هذا الكيان. لم يكن للأرض أو للشعوب حرمة، فقد كان قانون الغاب هو ما يرسم الخرائط ويقر الواقع السياسي وملكية كل رقعة من الأرض بشعبها وما عليها وما داخلها من ثروات طبيعية وتبعيتها لمن يمتلك القوة. عاش العالم عصر الامبرطوريات المتوسعة والتي تتغير حدودها باستمرار، ومع هذه الهلامية وامكانيات التوسع اللامحدودة، كان لابد على الكيان الأم أن يعزز من هويته وأن يفرق ما بين الشعب المحارب والذي يجني ثمار هذه الغزوات، وبين ما تم ضمه واخضاعه لهذا الكيان. من هنا بزغت فكرة صبغ هذه الاراضي الجديدة وشعوبها بثقافة وهوية المنبع الذي انطلقت منه الامبراطورية التي صار يتبعها. فحطمت حضارات وحوربت عقائد وسالت دماء الشعوب من المدنيين أنهارا لإخضاعهم بالقوة، إن لم ينفع اللين، على تشرب هذه الثقافة الوافدة والتحدث بلغتها والإدانة بالولاء لمركز الامبراطورية التي يتبعونها. فكان القوي يفرض افكاره ولغته ومعتقداته وثقافته وعاداته على الضعيف. وما كان على من يريد الحياة سوى الاستسلام والتأقلم مع الوضع الجديد مهما كان. القوة والقوة وحدها هي التي كانت تحمي الهوية. وكلما توسعت الامبراطورية كلما زادت مظاهر التمسك بالهوية، خاصة في مراكز الامبراطوريات. ولكن مع تطور الانسان ووسائل الانتاج، أدركت الشعوب أن منفعتها الأكبر هي في الاستقرار والرخاء، التي حرمت منه بعضها في السابق بحكم الجغرافيا وشح الطبيعة، فكان من اللازم آنذاك أن تجور على غيرها مستغلة قوتها للحصول على هذه الموارد. أما وقد دخلت البشرية في عصر العلم والتصنيع والتجارة، فقد بدأت الحاجة إلى استخدام القوة في ضم الاراضي تكلف هذه الشعوب تكاليف وتضحيات باهظة، لا توازي ما يستطيعون تحقيقه من منفعة عن طريق الاستقرار والتنمية الداخلية. ومع ذلك فقد شهد العالم جرائم مختلفة في حق الانسانية في هذه الحقبة، فقد كان التوجه نحو هذا "الاستقرار الداخلي" يتم عن طريق نفس المنهج القديم في استغلال موارد وطاقات الغير لبناء رفاهية الشعوب القادرة، وبدلا من الانتقال خارج الحدود، اعتمدت الامبراطوريات الحديثة على اسلوب الاستعمار. فالمستعمرة هي مثل منجم يستخدم لاستخراج الثروات ونقلها عبر البحار إلى المستفيد منها، ويتم تشغيل أهل الارض في هذه المناجم (المستعمرات) لحساب المستعمر، دون حق في الانتفاع بما يكمن داخل الارض، التي هي من املاك المستعمر حتى وان لم ينتقل للاستيطان بها. فتعيش شعوبهم في عز ورخاء هذه الثروات، بينما يبقى أصحابها في فقر وضنك يعانون من الأوبئة، بينما يتداوى المستعمر بالعقاقير التي يستخلصها من نبت ارضهم، ويتخبطون في ظلمات الجهل، بينما شعوب المستعمرين تترقى بما طورته مما نقلوه من عندهم. وخلال كل هذه العصور الامبراطورية والاستعمارية المتعاقبة كان استعباد البشر هو المصدر الاساسي لليد العاملة والعمود الفقري للاقتصاد

وجب هنا أن نتوقف ونتأمل مكاننا كمصريين وتاريخنا وهويتنا المتفردة. فالازمة التي لمستها ويلمسها الكثيرون من ضعف انتماء وتشوش في الرؤية وفي تعريف الذات، هي أزمة هوية بالاساس. الهوية المصرية، رغم ثباتها ورسوخها على مر التاريخ، تتعرض لضربة قاسية تهدد وجودها وتسعى لطمسها وطيها تحت مفاهيم لم يعد لها وجود في عالمنا وفي زمننا الحالي. (ففي عالمنا اليوم هناك كيان سياسي وجغرافي يسمى "الدولة" وهذه الدولة لها حدودها المعترف بها دوليا، وكل دولة هي ذات استقلالية وسيادة ، وفي ظل ذلك يتم التعاون والتبادل التجاري في ظل آليات سوق عالمية لها ضوابط.)

الهوية المصرية هي سند المصريين وضمان ثباتهم ورسوخ جذورهم واستقرارهم على مر العصور. فأنا حين أتأمل نقوش المعابد وتماثيل اجدادي الفراعنة، لا اشعر بغربة، ولا أشعر بالفارق الزمني الهائل الذي يفصل بيني وبينهم. أرى وجوها مألوفة.. أرى وجهي.. واتعرف على وجه جدتي وأمي وأبي وأخي واقاربي واصدقائي. أنا حفيدتهم فعليا وليس كلاما. هم من عمروا نفس هذه الارض من آلاف السنين. ألمس جدران المعابد فاشعر بحرارة اياديهم وهي تنحت هذه الحضارة العظيمة. أتجول في حجرة المومياوات وأشعر أنني في حضرة اجدادي، فهنا يرقد من حافظوا على هذه الارض ليسلموها لي اليوم أمانة في عنقي وفي قلبي وروحي تماما كما كانت وقت حياتهم.

اشعر بالامتنان لأنني استطيع أن أمد يدي لأمسك جذوري بيدي، وأعرف من أكون وأين مكاني في هذا الكون الشاسع، وأين سيكون أولادي وأحفادي وأحفاد أحفادي. كم أنا محظوظة! كم هي عدد الشعوب التي تتمتع بهذه النعمة الغالية؟ وكيف يمكن لمن يستطيع أن يرى تاريخه وماضيه وجذوره وامتداده أن يبلغ به الجحود أن يتنصل من كل ذلك ويقرر أن يمحوه في لحظة غفلة أو ربما غيبوبة عميقة لكي يكون مجرد عابر سبيل، لا أصل له ولا فصل؟

اتفهم كمية الكراهية والحقد التي يحملها أولاد السفاح للابناء الشرعيين. وهو نوع من الحقد الذي من الصعب مداواته، مهما عاملتهم بالعطف والحب والود، ومهما بسطت لهم يدك واظهرت أنك لا تعير اهتماما لهذا العنصر على الاطلاق. فأنت متصالح مع نفسك ومع الآخرين لأنك نشأت تنشئة سليمة وتعرف أصلك وفصلك ولا تعاني من عقدة النقص التي يعاني منها الآخر الحاقد عليك، لذلك فأنت على استعداد لتقبله ومعاملته معاملة الانداد. لكنه بسبب نفسيته العليلة لن يستطيع تجاوز الفارق بينه وبينك، ودائما سيجد الاسباب لكي يكرهك ويجد في ذلك سببا كافيا لكي يحقد عليك ويسعى لتدميرك.

أتفهم مثل هذا الدافع ومثل هذا السخط ومثل هذا الهجوم من هؤلاء. ولكن الكارثة هي ان تجد ابناء بلدك انفسهم يتبعون كل حاقد وكل كاره، ويحطون من انفسهم ومن شأن وطنهم، ويصطنعون التبريرات لمثل هذا السلوك المخزي والشاذ.

لابد لنا من وقفة مع النفس وأن يعي كل منا جيدا أن من ليس له خير في وطنه لا خير له في أي مكان آخر. النبت الشيطاني يتمنى لو انبتت له جذور، فما بالك يا نخل ياعالي تبتر نفسك تاركا مكانك وظلك وشموخك لتضمر وتموت في دولاب بالي؟

وأخيرا، لا أجد خيرا من كلمات صوت مصر الأسمر الأصيل محمد منير لأنهي بها هذا المقال الأليم..
قلب الوطن مجروح لا يحتمل أكتر


النص الكامل للمقال

المواطن: مصري

14.12.08 |


بقلم وائل نوارة

يتناول هذا المقال مفاهيم الوطن، والمواطنة، والانتماء للوطن، باعتبارها مفاهيم ترتبط بتحقيق منافع مادية ومعنوية للمواطن، الذي يقبل ضمنياً الانتماء للوطن، باعتبار أن هذا الانتماء يحقق له هذه المنافع، ويتيح له حقوقاً تتيح له الحياة بصورة أفضل مما كان الحال في حالة غيابها، وأنه في مقابل هذه المنافع والحقوق، يأتي انتماء المواطن للوطن، ويأتي استعداده للدفاع عن هذا الوطن وعن النظام العام الذي ينخرط فيه المواطنون، من أجل رفعة هذا الوطن، وبالتالي رفعة المواطنين الذين ينتمون له. وينظر المقال "للانتماء" باعتباره "الحبل" أو "الخيط" الذي ينتظم المواطنون في عقده حول مفهوم الوطن، ليربطهم ببعضهم البعض ويربطهم جميعاً بذلك الوطن

الوطن
يرتبط مفهوم الوطن برقعة جغرافية معينة، يسكنها شعـب بصورة مستقرة لفترة طويلة، تشكلت معها هويته الحضارية وانتماؤه لهذا الوطن، وكون فيها دولته القومية التي تجسد مفهوم هذا الوطن. فقد بدأ البشر منذ عشرات القرون، ينتظمون في مجتمعات تعاونية حضارية، بدأت كقرى صغيرة، تطورت لتصبح مدناً ثم دولاً اكتسبت تدريجياً الشكل الذي نجده اليوم. فقد نشأت الدول كحل إداري وتشريعي تطور بالاتفاق الضمني بين أفراد المجتمع ومجموعات المصالح المختلفة، وجاءت القوانين لتنظم العلاقة بين أفراد المجتمع ومجموعاته. ولكي تستقيم الأمور، كان على أفراد المجتمع أن يتنازلوا عن جزء من حريتهم المطلقة في العمل والحركة، ويسددوا جزءاً من عوائد أنشطتهم الاقتصادية للدولة التي ينتمون إليها، ويشاركون في بناء المجتمع كمواطنين فيه، من أجل أن يحصلوا على متطلبات أساسية، لا يمكن لأي منهم أن يوفرها لنفسه أو لمجموعته بصورة منفردة. ومن هذه المتطلبات الجماعية، الأمن، والعدالة، والمرافق والخدمات العامة، من مياه وكهرباء وطرق ومواصلات ونظم ري، وتعليم وصحة، ... إلخ. ويرتبط مفهوم الوطن عادة بمفهوم الدولة، رغم أن بعض الجماعات قد تنظر لرقعة جغرافية ما على أنها الوطن الموعود أو القومي أو التاريخي لها، رغم عدم وجود دولة على تلك الرقعة، تجسد مفهوم هذا الوطن.

المواطنة
المواطنة، ما هي إلا انتماء مواطن لوطن، يتمتع معه المواطن بوضع قانوني وسياسي ومزايا والتزامات اقتصادية واجتماعية وثقافية. فالمواطنة تعبر عن انتماء الأفراد للوطن بما يتضمنه ذلك من حقوق للأفراد، وواجبات ومسؤوليات تقع عليهم تجاه الوطن الذي ينتمون له.

وتشمل المواطنة الحقوق القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية للمواطنين في الوطن الذي يحتضنهم، بما يضمن تمتع جميع المواطنين بالمساواة دون أن يقع على أي منهم أي نوع من أنواع التمييز القائم على الدين أو الجنس أو اللون أو المستوى الاقتصادي أو الانتماء السياسي أو الموقف الفكري.

العلاقة بين الوطن والمواطن
فالعلاقة بين الوطن والمواطن إذن تظهر على أكثر من محور:

• قانوني: فهذه العلاقة لها شق قانوني يشبه التعاقد الضمني، يشمل الحقوق التي يتمتع بها المواطن والواجبات التي تقع عليه، ولعل الدستور هو الوثيقة الأساسية التي تجسد بنود هذا العقد الاجتماعي
• سياسي: أن يشارك المواطن في صنع القرار المجتمعي
• ثقافي: هو مخزون تراكمي من القيم المشتركة والتراث التاريخي والحضاري، تتجسد في مجموعة ضخمة ومتشابكة من العادات والتقاليد والسلوكيات ونظم التفاعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فالقيم المشتركة هي التي تشكل الضمير والعقل الجمعي للمواطنين، وهي التي تحدد بنيان وطبيعة نظم التفاعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي، التي ترسم طريقة الحياة أو "كتالوج الحياة" على أرض الوطن
• اقتصادي: أن يستطيع الفرد نتيجة لهذا الانتماء أن يحصل على احتياجاته الأساسية، من خلال انخراطه في المنظومة الاقتصادية لهذا الوطن وتفاعله معها، وهذا هو مفهوم المواطنة الاقتصادية، ويرمز له البعض بالعدالة الاجتماعية
• اجتماعي: أن يتمتع الفرد بالعلاقات الاجتماعية التي تربطه بهذا الوطن، من خلال علاقات قرابة وصداقة وزمالة وجيرة لمواطنين آخرين
• معنوي أو نفسي: ونتيجة لكل ما سبق، يتولد لدى المواطن شعور بالانتماء للوطن، وهو شعور نفسي لدى الفرد بعضوية كيان اعتباري هو الوطن، والتضامن مع المواطنين الآخرين بناء على الاشتراك في التاريخ والمصير.

فالعوامل أو الروابط التي تتحكم في الانتماء لوطن لها شقان على الأقل، أحدهما يقع في الماضي بتراثه وذكرياته، والآخر يكمن في الموافقة الجماعية على العيش المشترك في الحاضر والمستقبل. ويمكن أن نقول أن الشق الأول الذي يقع في الماضي هو شق قدري لا يملك المواطن أن يتحكم فيه، ولكن الشق الثاني هو شق اختياري، لأننا قد نجد بعض المواطنين وقد عجزوا عن الحياة في الوطن، أو عجزت الحياة في ذلك الوطن عن أن توفر لهم احتياجاتهم الحياتية الأساسية، فيلجأون للانتساب لوطن آخر بصورة اختيارية عقلانية و – أو عاطفية.

ويمكننا أن نتصور هذه العوامل أو الروابط، مثل الخيوط الدقيقة المغزولة معاً، والتي تتجمع لتكون حبل الانتماء. وعندما تتآكل تلك الخيوط واحداً بعد الآخر، يهترئ حبل الانتماء، حتى ينقطع أو يكاد.

فعندما يفقد المواطن حقوقه القانونية المكفولة له بموجب الدستور، أو تفتئت الدولة أو من يمثلها من موظفي العموم أو ضباط الشرطة على حريته أو كرامته كمواطن، أو يفتقد الشعور بالأمن، أو تتعطل منظومة العدالة، أو تغتال ممارسات الدولة والمجتمع أبسط قواعد المساواة وتكافؤ الفرص، أو يشعر "المواطن" أن رأيه لا يقدم ولا يؤخر، وأن صوته الانتخابي مهدر، وأن القرارات الاجتماعية تصدرها طبقة حاكمة بمعزل عنه، والأسوأ أنها لا تمثله ولا تراعي مصالحه، عندها، تنفصم بعض خيوط الانتماء.

وعندما يشعر المواطن بالاغتراب الثقافي، وبأن القيم الحاكمة في المجتمع، لا تتوافق مع قيمه الشخصية، بل وتتعارض معها في تضاد وتنافر، وأن منطق الحياة في المجتمع لم يعد يكافئ المجد أو الماهر أو الموهوب، بل أن المنافق والفاسد والممالئ للطبقة الحاكمة على حساب مصالح الوطن والمواطنين، هو الذي يتبوأ مقاليد الأمر والنهي ... عندئذ لابد وأن تتآكل خيوط أخرى.

وعندما تعجز قوانين ونظم الدولة التي تجسد مفهوم الوطن في الوفاء باحتياجاته الحياتية، من رعاية صحية، وخدمات تعليمية، وتأمين اجتماعي، وأمن وعدالة، فيضطر للجوء لقوانين ونظم بديلة في الدولة الموازية، يصبح فعلياً ولاؤه مزعزاً بين الدولة الرسمية والدولة الموازية. وقد يسأل سائل، أليست "الدولة الموازية" هي فكرة نظرية، بمعنى أنه لا توجد فعلياً دولة "رسمية" باسم الدولة الموازية، طبقاً لتعريف الدولة الموازية نفسها؟ فكيف ينتمي المواطن لدولة غير موجودة رسمياً؟

وهنا نرد بمثال بسيط، عندما يضعف أو يختفي دور الدولة في المجالات التي ذكرناها، وتأتي جماعة أو حزب أو جمعية أو شخص، ليقوم بتقديم هذه الخدمات بدلاً من الدولة الرسمية، فيفتتح عيادة طبية بأسعار رمزية في مسجد مثلاً أو كنيسة، كبديل عن الخدمات الطبية المنعدمة أو فاحشة التكلفة في تلك المنطقة مثلاً، ثم يلحق بها عدة فصول للتقوية تعويضاً عن فشل أو عجز أو تدهور أو قصور النظام التعليمي الرسمي، ثم يبدأ في تخصيص مبالغ شهرية من عائد الزكاة أو النذور أو التبرعات لمساعدة الأسر الفقيرة بتخصيص "معاشات" شهرية لتلك الأسر، كبديل عن الضمان الاجتماعي الذي لم تقدمه الدولة الرسمية، وهكذا.

مع كل هذا، ألا يتحول ولاء المواطن ليصبح مرتبطاً بهذه الجماعة أو الجمعية أو المسجد أو الكنيسة، بسياساتها وشخوصها ومصالحها، بدلاً من ولائه للوطن الأصلي؟ وعندما تعرض له قضية وطنية أو سياسية، ألا يأتي قراره بناء على مصالح أو توجيهات قادة الدولة الموازية التي تفي باحتياجاته؟ هنا نكتشف أن انتماء وولاء المواطن يصبح للمسجد أو الكنيسة أو الجمعية أو صاحب العمل أو عضو مجلس الشعب الذي يفي باحتياجاته الحياتية، وتصبح مصلحة تلك الدولة الموازية مقدمة على مصلحة الدولة الرسمية التي تجسد مفهوم الوطن الأصلي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، إذا لم يجد المواطن العمل الشريف الذي يساعده على توفير احتياجات الحد المعقول من الحياة الكريمة لنفسه ولمن يعول، أو شعر بأنه لا يحصل على النصيب العادل من القيمة المضافة في المجتمع، نتيجة لتشوهات إدارية أو تشريعية، أو نتيجة للفساد والاحتكارات وتزاوج السلطة والثروة، عندها تتآكل خيوط الانتماء بصورة خطيرة، لأن الاحتياجات الأساسية لا يمكن الاستغناء عنها أو التغاض عن نقصها.

وإذا احتدمت المنافسة بين أفراد المجتمع، واستشرت ثقافة التزاحم والندرة، وتمركزت علاقة الفرد بمن حوله في التصارع على مكان في طابور العيش، أو طابور العمل، أو طابور التحاق الأبناء بالمدارس أو الجامعات، أو موطئ لقدم في المواصلات العامة، أو مكان للسيارة في الشارع أو الجراج، وتفشت حالة من "الاحتراب المجتمعي"، عندئذ تصبح علاقة الفرد بالمجتمع علاقة تنافس وتناحر، ويجد كل شخص نفسه وهو يتمنى السوء لغيره، حتى يفسح له مكاناً، ثم يتحول هذا الشعور لشعور عام، غير مرتبط بمنافسة محددة، فيسود المجتمع موجات من الطاقة السلبية بل وكراهية الآخر، وحالة من العداء والغضب الكامن، الذي يطفو على السطح وينفلت مع أي استثارة اقتصادية أو طبقية أو طائفية أو حتى حادث سيارة منفرد على طريق سريع.

وفي نفس الوقت، ومع المصاعب الاقتصادية، التي تحول بين المواطن وبين الزواج مثلاً أو تؤخره، يعاني الأفراد من حالة من الحرمان العاطفي والجسدي، ويفتقدون الحب، وتكوين الأسرة، التي تربط الفرد بالوطن في العادة، أو يكونون أسراً هشة البنيان، سرعان ما تنهار تحت ضغوط الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فيخرج الفرد من هذه التجربة وقد ازداد شعوره بالمرارة تجاه المجتمع والوطن أضعافاً مضاعفة، عندئذ تكون روابط الانتماء على وشك الانفصام بصورة تامة.

هنا، يشعر المواطن بأن الوطن قد خذله، وبأنه قد وقع ضحية لانتمائه القدري لهذا الوطن، ويفقد تدريجياً الإحساس بالتضامن مع زملائه المواطنين.

عندها، قد يأخذ المواطن واحداً من عدة طرق. فالبعض يلجأ للهجرة، والبعض يستمر في حياته محاصراً بهذه الضغوط، يقاوم الإحساس باليأس والعجز والإحباط كلما استطاع، أو يسقط فريسة للأمراض النفسية والعصبية والعضوية، والبعض يعيش حياته الخاصة غير عابئ بما يحدث حوله، مجتهداً أن يبني سوراً منيعاً، يحميه من أذى المجتمع المحيط، ويمنع ذلك الأذى عنه وعن أسرته.
الفساد
هناك تعريفات عديدة للفساد، ولكن ببساطة، يمكننا أن نعرف الفساد بأنه خلل في منظومة الحقوق والواجبات في المجتمع، يعطي أفراداً أو جماعات حقوقاً غير مستحقة، على حساب الافتئات من حقوق الآخرين، أو يعفي مجموعة معينة من الواجبات أو الخضوع للقوانين المتفق عليها في المجتمع نتيجة لاقترابهم من السلطة أو قدرتهم على التأثير فيها بالمال أو غيره. ويأخذ الفساد في مصر عدة أشكال:
• شبكة الفساد الصغير: وهذه الشبكة عبارة عن قنوات محددة للاستثناءات، تمكن الوكلاء السياسيين للدولة من القفز فوق القوانين المانعة، أو تيسير الإجراءات البيروقراطية، ليس بالضرورة عن طريق الرشاوى الصريحة، بل أيضاً عن طريق سوء استخدام السلطة
Abuse of Power

  • شبكة الإقطاع الجديد:
مع خروج مصر من مرحلة رأسمالية الدولة
State Capitalism
حيث امتلكت الدولة كل أدوات الإنتاج لتسيطر على الحياة الاقتصادية بصورة كاملة، دخلت مصر في مرحلة "رأسمالية وكلاء الدولة"
State Agents' Capitalism
تحولت فيها مصر لنظام يشبه إلى حد ما النظام الإقطاعي في القرون الوسطى. أصبحت مصر مثل وكالة تمنح التوكيلات للشركاء التجاريين، على شكل مجموعة من الإقطاعيات في مختلف المجالات الاقتصادية، حيث يقوم "وكلاء النظام" بالقيام بدور رأسمالية الدولة ولكن هذه المرة لصالح النظام والحكام وبالمشاركة في الريع معهم ومع كبار المسئولين بصورة مؤسسية، مثل قطاعات الحديد والأسمنت والسيراميك والسجاد والاتصالات والسياحة والعبارات والبث التليفزيوني الخاص والمدن الجديدة واستصلاح الأراضي، عن طريق مجموعة محددة من "رجال الأعمال" الذين تقتصر عليهم التصاريح والتراخيص والأراضي والقروض وهكذا، علاوة على مجموعة من الشركات الأمنية التي تحصل على تعاقدات بمئات الملايين أو المليارات بالأمر المباشر بعيداً عن أي رقابة أو تدقيق. وهذه الشبكة تضخ جزءاً من ريع مثل تلك الأنشطة الاحتكارية في صندوق الولاء، الذي يمول بدوره رواتب "موازية" (مظاريف الولاء) لكبار موظفي الدولة، لضمان ولائهم للنظام، وغيرها من نفقات "موازية" خارج المنظومة الرسمية.


ومع تمدد "الدولة الموازية" وتغول شبكات الفساد المؤسسي، ترسخ شعور المواطن بالظلم وانعدام المساواة، وانهيار العدالة وتكافؤ الفرص، وخاصة مع عدم قدرة معظم المواطنين على الحصول على حقهم العادل من موارد المجتمع.
الهجرة
رأينا كيف يتولد شعور المواطن بالانتماء للوطن والمجتمع من وجود روابط ثقافية واقتصادية واجتماعية بينه وبين أفراد المجموعة، وأن قوة هذا الانتماء تتوقف على مدى قدرة المجتمع على تحقيق توازن في المصالح بين المواطنين، وبين الفرد والمجتمع، بحيث يستطيع كل فرد أن يحقق قدراً معقولاً من أهدافه الشخصية ويشبع حاجاته الأساسية.

وقد اجتمع عجز المواطن عن تحقيق الحد الأدنى من الحياة الكريمة، مع الخواء الثقافي والتناقضات الصارخة والمعايير المزدوجة في منظومة القيم، مع انتشار "الاحتراب المجتمعي"، وأدى هذا كله لظهور حالة من الاغتراب القومي نتيجة لإحساس الكثيرين بأن "البلد مش بلدنا"، ونتج عن هذا وجود شعور قوي بالحاجة إلى الهجرة، وشعور بالانفصام القومي، نتيجة لمجموعة ضخمة من المتناقضات والمتباينات، وأخيراً حالة مزمنة من الإحباط والاكتئاب القومي وشعور عام بالحصار وفقدان الأمل في الخروج من هذا الحصار.

وقد رأينا أنواعاً عديدة من الهجرة التي عبرت عن تلك الحالة، فعلى سبيل المثال نجد من يلجأون إلى الهجرة المكانية، فيحاولون مثلاً الهجرة إلى دول الشمال الغني، أو شرقاً أو غرباً إلى دول النفط. ورغم أن تحويلات العاملين بالخارج والمهاجرين قد تشكل مصدراً هاماً من مصادر الدخل القومي والنقد الأجنبي، إلا أن خسارة الدولة بهجرة خهيرة عقولها ومواهبها ليضيف هؤلاء للمزايا الاتنافسية لاقتصاد مجتمع ودولة أخرى، هي خسارة فادحة، وخاصة عندما يكون منطق الأمور و"كتالوج الحياة" في مصر لا يسمح غالباً بنجاح الموهوب أو المتقن أو ارتقائهما، عندها يصبح الحجم العددي الكبير مجرد إضافة أرقام ضعيفة الفاعلية والأداء لمجتمع أداؤه أصلاً ضعيف.

وهناك من يحاولون الهجرة الزمانية بالتشبه بملابس ومظاهر المجتمعات الإسلامية الأولى مثلاً، ونجد من يعجزون عن الهجرة المكانية فيلجئون إلى الهجرة العقلية إلى الشمال أيضا بأن يحيطوا أنفسهم بمظاهر الحياة في المجتمعات الغربية من موسيقى وملابس وأثاث ومعمار وغيرها من مظاهر الحياة الغربية، ونجد آخرون وقد وجدوا العلاج في ذهاب العقل برمته باللجوء للمخدرات في أشكالها المختلفة، ولا يجب أن ننسى من يهاجرون إلى الآخرة سواء بالانتحار أو "بالاستشهاد" في عمليات فدائية تحاول مقاومة الواقع المرير بمبادلته بأغلى وأقصى ما يستطيع إنسان أن يقدمه، وهو حياته.

العصيان المدني غير المعلن

ومع تفشي الظلم وغياب العدالة الاجتماعية وتآكل روابط الانتماء، يدخل المواطن في حالة "عداء" مع الحكومة أو الدولة التي تمثل الوطن وتجسده، ويبدأ المواطن في "الانتقام" من تلك الدولة التي افتئتت على حقوقه وفشلت بصورة مزمنة في توفير الحياة الكريمة له كمواطن، ونتيجة لما يلمسه من فساد القوانين وتخلفها وتعنتها، وفقدان النظام للشرعية، ومختلف الأسباب التي أدت إلى تراكم الإحباط والتعاسة والاكتئاب له ولأسرته ولباقي المواطنين. ويظهر هذا العداء في عدم احترام القوانين، والتنصل من أداء واجبات "المواطنة"، مثل التهرب من الضرائب والجمارك، بل والتحايل مثلاً لعدم أداء الخدمة العسكرية، في حالة تشبه العصيان المدني غير المعلن، لدرجة التباهي بالتحايل على القانون وخرقه، بعكس الدول المتقدمة حيث يكون هذا مدعاة للخزي والنبذ من المجتمع.

استعادة الانتماء

رأينا كيف يؤدي تآكل روابط الانتماء لحالة خطيرة من "العداء" بين المواطن و"الدولة" التي تجسد مفهوم الوطن، بما يقف كعقبة كؤود أمام التقدم والتنمية، بل ويؤدي لانفراط عقد المجتمع، نتيجة لاهتراء خيوط الانتماء التي تربط المواطنين ببعضهم ببعض من ناحية، وتربطهم "بالوطن" من ناحية أخرى.

ولذلك، لابد من اتخاذ التدابير والسياسات على المدى القصير والطويل، بهدف إعادة بناء وغزل خيوط الانتماء، حتى تنتظم الحبات المنفرطة في عقد الوطن مرة أخرى، ليتحرك المواطنون في اتجاه واحد لتحقيق رؤية واحدة، تؤدي لرفعة الوطن وتقدمه، وفي نفس الوقت رفاهية المواطنين ورخائهم.

وأول هذه التدابير كما نتصور، هو المكاشفة والمصارحة بالمرض الخطير الذي تسلل إلى قلوب وعقول الملايين من أبناء الوطن ليغتال انتمائهم للوطن أو يزعزعه، فبدون الاعتراف بالمرض لا يمكن طلب العلاج أو الالتزام به. ويصاحب ذلك استعراض للأسباب التي أدت للإصابة بذلك المرض وتغوله واستفحاله. ثم إعلان رؤية قومية للخروج من هذا المأزق، وإعادة تعريف الوطن والمواطنة على أسس جديدة. أما أن نتغنى بأناشيد مثل "ما تقولش إيه ادتنا مصر، قول حندي إيه لمصر" والاكتفاء بذلك دون حل المشاكل العويصة التي تواجه الانتماء في بلادنا، وهي المشاكل التي تسأل عنها الأنظمة الاستبدادية الفاسدة، الأنظمة الشمولية السلطوية، وهي أنظمة أثبتت عبر عقود طويلة افتقارها للرؤية أو الموهبة عدا في تجميد الأوضاع والحفاظ على مقاعد الحكم بصرف النظر عن معاناة الوطن والمواطن، هنا نكون كمن يعالج السرطان بأغنية "الدنيا ربيع والجو بديع" دون أن يأخذ اي علاج من ذلك المرض الخطير.

العـقـد الاجتماعي
ويلي ذلك إعادة صياغة هذا "التعاقد" المجتمعي، أو العقد الاجتماعي، في صورة "دستور" عصري يخرج من رحم الأمة، وينتج من تفاعل مختلف قطاعاتها الجغرافية والمهنية والفئوية التي تمثل مختلف المصالح المتباينة، في حوار وطني حقيقي، وليس عملية شكلية محددة النتائج سلفاً. إن هذا الدستور هو الذي يجسد مفهوم المواطنة، ويحدد حقوق المواطنين وواجباتهم، وينظم عملية بناء مؤسسات الدولة، والحدود التي تفصل سلطاتها المختلفة، حتى لا تجور سلطة على أخرى كما هو حادث الآن، وهو ما أدى لهذا الوضع الخطير الذي ينذر بكوارث وانفجارات مجتمعية بدأنا نرى بكل اسف بوادرها ونلمس عواقبها الوخيمة.

وهذا الدستور ايضاً يرسم خطوط ومساحات الملعب السياسي، وقواعد العملية السياسية، التي تؤدي إلى تمكين المواطنين من المشاركة في صنع القرار المجتمعي، بصورة ديمقراطية، وينظم عملية تداول السلطة على كافة الأصعدة، بدءاً من الإدارة المحلية متمثلة في عمدة القرية والمجالس المحلية، ورئيس المدينة، ومحافظ الإقليم، وصولاً لنواب الشعب الذين يمثلون السلطة التشريعية، وقيادات السلطة القضائية والتنفيذية.

والخطوة التالية، هي عملية شاقة وطويلة من تنقية القوانين واللوائح وإعادة تصميم النظم الإدارية لتصبح أكثر اتساقاً مع الواقع والعرف، حتى تنتفي الحاجة تدريجياً للدولة الموازية ويعود ولاء المواطن للدولة الرسمية التي تجسد مفهوم الوطن. إن إعادة تصميم هذه القوانين واللوائح، يجب أن يصاحبه جهد إعلامي وثقافي دءوب لإعادة ترسيم وترسيخ القيم الحاكمة للمجتمع التي تشكل "طريقة الحياة"
Culture
أو "كتالوج الحياة"، "منطق الحياة" أو "برنامج الحياة" أو "لوغاريتم" الحياة
Life Algorithm
في هذا الوطن والتي تحدد طبيعة التعاملات، ثواب المتقن، عقاب الفاسد، احتضان الموهوب، الترحيب بالمبادر، مد العون لغير القادر، سيادة القانون والمساواة أمامه، إلخ ... .

هذا "المنطق" هو الذي يحدد "إذا فعلت كذا يحدث كذا"، لأن المنطق الموجود حالياً يكافئ الفاسد والمنافق والراشي ويتغاضى عمن يخرج عن القانون أو يرتشي، يحتضن أصحاب المحسوبية والتوصيات والاستثناءات، ويعاقب أو يتوجس من المبادر أو الموهوب أو الناجح ويترصد للمتعثر بالمشانق. هذا المنطق أو القانون الجديد، لابد أن نتبناه في حياتنا، وننشره بالقدوة من أعلى إلى أسفل، ونعلن عنه في كل مناسبة بصورة متحضرة راقية بعيداً عن النصائح والمحاضرات المباشرة والعظات المبتذلة.

ونتيجة تطبيق "الكتالوج الجديد" لابد أن تظهر في أن تعود الدولة الرمسية لتحل مكان الدولة الموازية، فيشعر المواطن أن خدمات التعليم والصحة والرصف والصرف والأمن والعدالة والترخيص تفي باحتياجاته الحياتية، وأن قوانين الإسكان والمرور والنقل والهدم والبناء قوانين منطقية وواقعية، وأن التعامل مع الدولة الرسمية يمكن أن يكفيه شر الدولة الموازية، فينتقل ولاؤه من الثانية للأولى.

نتيجة تطبيق المنطق الجديد أو "الكتالوج الجديد" للحياة في مصر، لابد أن يراها المواطن العادي في تقلص الفساد، وعقاب رادع للفاسدين، بعيداً عن تسييس القضاء والضغط عليه في إصدار أحكام البراءة على القتلة ولصوص المليارات ومافيا الأراضي والمحتكرين، أو نحر الشهود في السجون وادعاء انتحارهم، للتغطية على جرائم الأصدقاء والمحاسيب. وهذا كله لا يأتي إلا بطلاق بائن بين السلطة والاحتكارات الاقتصادية، فمن غير المنطقي أن يظل المواطنون على انتمائهم بينما يسمعون أخباراً عديدة تصنع في النهاية رأياً عاماً قوامه التالي – بصرف النظر عن صحته:
• أحد رجال الأعمال القريب من السلطة - يشتري 10% من حصة الدولة في أحد أكبر مصانع الحديد بسعر يراه البعض بخس ممول بقروض البنوك
• يصبح رئيس مجلس الإدارة ويستحوذ على الشركة
• ينخرط في الحزب الحاكم ويصل لأعلى المناصب فيه
• تخصص له ملايين الأمتار في المناطق الصناعية
• يصبح أكبر محتكر للحديد في مصر
• تصدر قوانين الإغراق وتطبق لخدمة مصانعه
• يصبح عضواً في مجلس الشعب
• يصبح المسئول عن صياغة قوانين منع الاحتكار وغسيل الأموال، وتصدر تلك القوانين بصياغة غير كافية لدرء الأخطار عن المجتمع من وجهة نظر الحكومة والوزير المسئول
• يصبح مسئولاً عن إدارة تنظيم الحزب الحاكم وبالتالي يتمتع بسلطة ضخمة في توجيه مسار الانتخابات القادمة
• تصل ثروته طبقاً لتقديرات البعض إلى 40 مليار جنيه


المواطنة الاقتصادية
فلا يكفي أن نتشدق بالجانب القانوني أو السياسي للمواطنة، من تحديد للحقوق والواجبات وترسيخ المساواة بين جميع المواطنين في تلك الحقوق والواجبات دون تمييز، ثم نجد تفاوتاً واسعاً بين "حظ" المواطن القاهري وزميله "السوهاجي" مثلاً من موارد الدولة ورعايتها واهتمامها، هنا يصبح الكلام عن المواطنة من باب النيات الحسنة، بل يجب أن يمتد مفهوم المواطنة ليشمل الجانب الاقتصادي، من حيث المساواة في "إتاحة الفرصة"، ليس المساواة في الدخول أو إثابة العامل بمثل العاطل، بل المساواة في صنع الفرص، وإتاحة الآليات التي تشجع على الحراك الاقتصادي والاجتماعي
Social and Economic Mobility
بحيث لا يكون هناك مواطن "سجين" أو "معتقل" أو "محاصر" في "طبقة" اقتصادية أو اجتماعية نتيجة لموقعه الجغرافي، أو لونه أو عقيدته، بل يجب أن تتدخل الدولة بالحوافز الإيجابية التي تشجع التنمية الشاملة، وتسعى لتحقيق تكافؤ الفرص في نصيب كل جزء من أجزاء الوطن، وكل فرد من المواطنين، في تلك التنمية. إن أقوى آليات هذا الحراك المنشود، هو إتاحة واسعة لمستوى مقبول من التعليم والتدريب في كل أرجاء الوطن، وتحفيز الشركات المحلية والعالمية على الاستثمار الصناعي والزراعي والتجاري والسياحي والخدمي في مختلف المناطق، بما قد يتطلب نوعاً من التمييز الإيجابي أحياناً لمناطق محرومة، وهو تمييز مؤقت، ينتهي عندما ينتفي السبب من وجوده، عندما يصيب المنطقة المحرومة حظ عادل من التنمية و"الفرصة"
Opportunity

إن أفضل علاج للاكتئاب القومي الذي ذكرناه، هو إتاحة "فرص" الحراك الاقتصادي والاجتماعي على أوسع الأصعدة، لأنه من الممكن أن يقبل الشخص بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية ويتكيف معها لفترة، إذا رأى أمامه الفرصة متاحة لتحسين وضعه، أما إذا شعر المواطن بأنه محاصر في ذلك الركن المضغوط دون أمل في الإفلات، فإنه يصاب بالاحباط والاكتئاب المزمن، أو ينقض بالهجوم لينتقم من ذلك المجتمع الظالم الذي حاصره وسجنه تحت تلك الضغوط التي لا يمكن احتمالها للأبد.

الخلاصة
لقد سقط نصف قرن من عمر الأمة المصرية، وتجمد الزمن عند نقطة معينة، بل إنه في كثير من الأحيان تستيقظ في الصباح وتفتح ما يسمى بالصحف القومية لينتابك شعور بأنك ربما قد طال نومك لما يقرب من ربع قرن، ترى العناوين وينتابك شعور بأنك رأيت نفس العناوين من قبل آلاف المرات في كابوس يمثل الجحيم بعينه. فالبعض يرى أن الجحيم ما هو إلا تعذيب أبدي يتكرر يوماً بعد يوم دون أي أمل في مجيء نهاية له، حتى المؤبد هناك فرصة للعفو والتخلص منه عند انتهاء نصف المدة، ولكن أن تذبل كل فرص التغيير فهذا أمر لا يمكن احتماله، لأنه يعني أن الإنسان يسير في نفق مظلم لا نهاية له، وبالتالي فقد اتخذ الكثيرون القرار بالتوقف عن السير، وهو ما نسميه بالـ
Apathy
لأن كلمة السلبية لا تستطيع التعبير عن تلك الحالة المفزعة من التوقف عن الحياة.

ومع اختلال "منطق الحياة" أو "كتالوج الحياة" في مصر، وتغول الفساد والمحسوبية وتمدد الدولة الموازية على حساب الدولة، وانتفاء الشعور بالمساواة أو العدل أو تكافؤ الفرص، أخذت خيوط الانتماء تتآكل وتهترئ يوماً بعد يوم، حتى جاء الوقت الذي اقتربنا فيه من انفراط عقد المجتمع، ليتبعثر المصريون أفراداً وجماعات تتجمع أو تتنافر لحظياً طبقاً لمصالح عشوائية لا رابط بينها، مع غياب أية آلية ديناميكية تتكفل بالوصول إلى توازن بين مصالح تلك الجماعات وأولئك الأفراد والحفاظ على مثل ذلك التوازن، وهو ما نرى بوادره الآن مع تفشي حالة من "الاحتراب المجتمعي" والعداء بين "المواطن" وبين الدولة الرسمية التي تجسد مفهوم هذا الوطن.

لقد أصبح علينا الآن أن نسارع بعلاج تلك المشكلة الخطيرة، وعلاجها ليس بالسهل أو السريع، ولكنه عملية شاقة ومشوار طويل نعيد فيه ترسيم ثقافتنا القومية والقيم الحاكمة للحياة في مصر، نضع فيه قواعد "كتالوج الحياة" في مصر، من خلال عملية تفاعل وحوار مجتمعي حقيقي نتحاور فيه ونتناقش حول "الأيديولوجية المصرية"، لنعلن أسلوبنا المصري الخالص، الذي نستجيب من خلاله للمعضلة الأساسية التي تواجه كل شعب وأمة: تحد البقاء


النص الكامل للمقال

سحر العلم في خدمة الأكاذيب

13.12.08 |


بقلم أميرة طاهر

على قناة إم بي سي أكشن يعرضون برنامجا رائعا , بل أكثر من رائع
..
البرنامج اسمه ( براينياك) أو (المهووس بالعلم) ..هذا البرنامج الساخر يلخص حماقات التجارب العلمية بشكل كوميدي مذهل.. فهو يفترض افتراضات حمقاء , من نوع : ماهي أفضل طريقة لاختبار قميص واق من الرصاص؟؟.. تقوم بتفجيره في شاحنة مليئة بغاز البروبان ..! وما هو مصيرك لو وقفت في طريق رصاصة؟.. في الغالب ستموت ..! واذا نفد منك الماء؟؟.. لاتهدر الأموال على شراء زجاجات المياه المعدنية , فأنت تستطيع تخليقه بضخ غازى الهيدروجين والأكسحين من أنبوتين مضغوطتين في بالونة.. ثم تفجرها لتحصل في النهاية على قطرة ماء..!! ...واختبار النحيل في مواجهة البدين في الظروف الجوية الصعبة: أيهما أكثر تحملا..الخ

معظم هذه التجارب العلمية الخرقاء يقوم بها الدكتور (بن هيد) أو الدكتور (مغفل)..البرنامج يسخر من التجارب العلمية التافهة , التي لا هدف حقيقي منها .. والأبحاث التى ينفق عليها مال كثير ويبذل فيها الوقت والجهد , بالإضافةالى تعذيب المتطوعين , حتى تنتهى هذه التجارب العبيطة باستنتاج عبيط هو الآخر , ولا يساوي الوقت الضائع ولا الجهد المبذول... وكان أظرف تجاربهم: كيف تستطيع فتح خزانة متوسطة الحجم متينة جدا بها مائتي جنيه استرليني؟؟.. فبعد اخضاعها لعده اختبارات ومحاولة فتحها بكل الطرق العنيفة , تستطيع ان تفجرها بقذيفة الدبابة تشالينجر نجمة حرب الكويت , هذه القذيفة ثمنها ثلاثة الاف جنيه , بالطبع الخزينة تنفجر ويحترق معها المبلغ الزهيد الذي لا يساوي استهلاك قذيفة الدبابة تشالنجر..!!!

هذا البرنامج بريطاني , وهو بالمناسبة يدحض الأسطورة التي تقول ببرود الإنجليز وثقل ظلهم , ومن المستحيل ان تتخيل ان الإعلاميون في بريطانيا , حيث توجد قلعة مثل كمبريدج و أكسفورد , يسخرون من العلم والعلماء ... ولكن البرنامج يسخر , وبشكل أكثر من رائع من أشباه العلماء , وأشباه التجارب التي ترتدي ثوب العلم , ويجسد بذكاء وبجدية ظاهرية _هذه الجدية التي تحمل في أعماقها قدرا كبيرا من السخرية_العلم حين يوضع في خدمة الهيافة والسخافة , فللقيام باثبات فرضية مفتكسة حمقاء تقوم بتجربة حمقاء لتصل الى استنتاج اكثر حماقة , لقد خدعت انا شخصيا في الدقائق العشرة الأولى من البرنامج عند مشاهدتي إياه لأول مرة , ظننته بالفعل مجرد برنامج تجارب علمية طريفة آخر , ولكن مع انتباهى لتفاهة المضمون مقارنة بالجدية الرهيبة التي تبدو على وجوه العلماء_الممثلين في عرض التجارب بل والتكاليف العالية والتمويل المحترم للبرنامج , ثم فهمت وانفجرت ضاحكة حين بدأت ألحظ المغزى , عندها اكتشفت الحقيقة ..!!ا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في عالم الواقع نحن نلحظ هذا الاستهلاك المبتذل للعلم في الاعلانات التي يلعب فيها العلماء الممثلون دورا كبيرا .. وتجد مشهدا سخيفا يتكرر في كل الأعلانات تقريبا لمجموعة من العلماء الباسمين , المنكبين بهمة على الأبحاث في معمل نظيف وأنيق وفضائي كله زجاج , ويتشاورون بجدية وخطورة بمعاونة الروبوتات , ليخترعوا لنا في النهاية شامبوهات ضد القشرة أو رقاقة بسكويت أو قلم روج أو ماسكارا.. وانت لابد وان تتساءل في اعماقك هل يبدو العلماء الحقيقيون المنكبين على ابحاث المناعة والسرطان بهذا الجمال ويعملون في مراكز أبحاث بهذا التطور؟؟ بالطبع لا , لأن العلماء الحقيقيين الغارقين في ابحاث الايدز والسرطان يعملون ساعات طويلة بلا ابتسامة ولا رحمة لأنفسهم وصحتهم ..وتنضح ملامحهم بالتعاسة والشقاء وقلة الرواتب , لنهم يحملون على أكتافهم المنهكة هموم البشر الكبرى

وفي اعلان برسيل تظهر عبلة كامل على الجمهور الريفي المهلل من الفرحة وهي تقول بابتسامة عريضة : جبتلكم الخبير الألماني معايا علشان يوريكم نظافة برسيل ..! ويظهر معها هابطا في منطاد من السماء (تخيلوا !!) ممثل أشيب وقور بنظارة يحمل سمت العلماء المهيبة .. بالطبع لابد ان يصدق المستهلك أن الاعلان صادق وأن المنتج فعال , فمن المستحيل أن يكون هذا الخواجة الوقور الهابط من السماء كالملاك في منطاد, كذابا , وهي حيلة نفسية قديمة تستخدم تأثير الهالة أو (الهالو ايفيكت) فهذه الشخصيات الوقورة الجميلة من المستحيل أن تكون كذابة ..وبمقتضاها يقع المستهلك فريسة للسلعة , وقد يتبع هذا الكلام صورا جرافيكية جذابة غامضة توضح قوة مسحوق الغسيل على مستوى الذرات , هذه الطريقة تستقطب النخبة المثقفة التي هى بطبيعة الحال القوى الشرائية المستهدفة.. أما الجماهة الريفية فتمثل الجماهير الغفيرة , أو الدهماء بالمعنى الشائع ..ان تأثير الهالة فتاك وفعال...ونحن نرى وزراء ورجال أعمال وكتاب ومحاضرون فارغين من الأعماق ولكنهم يحيطون ما يكتبون أو ما يقولون بهالة العلم المزيفة , وبالتالي فأنت تميل الى تصديق ما يقولون على الفور , لأنهم يجيدون التسويق لأنفسهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما سر هذا الوباء؟
باختصار اقول ان انتشار التعليم المجاني بهذا الشكل العشوائي اصبح نقمة على الجميع , لأن التوسع في التعليم بشكل أفقي واهمال التوسع الرأسي جعل الأولوية للكم على حساب الكيف..صحيح ان كل المصريين قد تعلموا , ولكن هل هنالك أحد يستطيع ان يقول ما قيمة ما تعلموه؟؟ .. في الماضي لم يكن الكثيرون يجيدون القراءة و الكتابة .. ولكن الكل كان يقرأ الكتب الجيدة والأعمال العظيمة طوال الوقت , ولكن انتشار التعليم التافه المسلوق جعل الناس تنتج انتاجا فكريا تافها وبالتالي أصبحت الأجيال تقرأ الكتب التافهة وتتفرج على المسلسلات التافهة طوال الوقت.. هل يستطيع أحد أن يزعم أن طلبة الجامعات يستذكرون من أمهات الكتب ؟؟ بالطبع لا .. كلهم يستذكرون الملخصات التافهة , بعد ذلك نبكي ونلطم ونقول : تدهور مستوى الخريجين

ربما كان سحر التعليم العام يكمن في تدريب عامة الناس كيف يقولون ويكتبون مايريدون من الكلام الفارغ , ولكن بطريقة نظامية تجعلك تشعر بالمصداقية والمعقولية و(الفخامة الفكرية) وأنت تقرأ.. وأي راقصة ساقطة تستطيع أن تصدع رأسك طوال ساعة كاملة بكلام كبير حول (أن الفن رسالة)..ففي عصرنا الحديث تعد القدرة على صياغة الأفكار التافهة والخرقاء بشكل مقنع فنا قائما بذاته , وهو ماتراه في أمريكا بقوة لدرجة أنك تستطيع تأليف كتاب في أي موضوع وعن أي شيء تقريبا وسيحقق مبيعات جبارة , فقط بشرط ان يكون التناول جديدا والهدف محددا , حتى ولو كانت أفكارك محض هراء .. نعم تستطيع ان تؤلف كتابا عن مطعمك المفضل , أو كيفية التغلب على آلام فقدان حيوانك الأليف..فتذهب الى اي من دور النشر الكبيرة , وتعرض الفكرة على المدراء الذين يدرسونها بعناية , واذا وجدوها صالحة للنشر ومبتكرة يأتون بكاتب متخصص ومحترف , هو في الغالب موظف دائم لدى دار النشر ليكتب الكتاب بالنيابة عنك , اذا لم تكن تجيد الكتابة , ويخرجون الغلاف بشكل رائع ويطرحون الكتاب في السوق مع الدعاية المناسبة ليحقق مبيعات جبارة .. والفضل بالطبع لهذا الاختراع الرائع المسمى بعلم التسويق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وتمتد مأساة صياغة الكلام الفارغ في صورة مقنعة الى الصحف المليئة بالمقالات لكبار الكتاب_سنا_وبرامج التليفزيون الحكومي التى تقدمها المذيعات المحنطات والغبيات.. فهذه المذيعة هي باختصار بوق السلطة وذيل النظام.. وليت الأمر يقتصر على هذا الحد فالخطير في الموضوع هو أنه يتسرب ببطء , لكن بثقة الى الجامعات

خذ عندك مثلا رسائل دكتوراه الفلسفة بالجامعات المصرية , تجد هذه الآفة اللعينة ,
وهى الولع (بجعلصة) عناوين رساءل الماجستير والدكتوراه بدعوى التحديد والدقة, وكأنه لا يليق بالرسائل المحترمة ان تحمل عنوانا من جملة واحدة مفيدة بسيطة , لكنك تجد تركيبة معقدة طويلة جدا من الكلمات الضخمة الرنانة, حتى ان عنوانا مثل تخليص الابريز في تلخيص باريز يبدو بجوارها مجرد مبتدأ بلا خبر ...فأنت تجد في العنوان تركيبة معقدة طويلة جدا امعانا في التحذلق والافتعال ولإضفاء صيغة تضخيمية تفخيمية على الموضوع بالأضافة الى ادعاء الدقة وتضييق نطاق الهدف الذي تسعى اليه الرسالة , هذه (الجعلصة) أو فلنقل الحذلقة السخيفة في اختيار عناوين الرسائل العلمية هى في الغالب ليس لها قيمة , ربما لأن البرميل الأجوف هو الذي يصدر ضجة أكبر بكثير من البرميل الممتليء ... وهى أيضا ليست ذنب الباحث بالكامل , فهو في أحيان كثيرة ما يكون خائفا ومرتبكا وحائرا , ويعتمد على المشرف في الكثير لأنه لا يدري ماذا يفعل , وهو بالتأكيد يعاني من عدم القدرة على الاختيار بسبب ضعف مكوناته الثقافية , ....هذا الباحث هو طالب الامس الذي يجسد النتيجة الحتمية للنظام التعليمي المتخلف, فهو ظالم ومظلوم معا.. والنتيجة الكثير من الرسائل العلمية الجوفاء الخالية من الأضافة والقيمة رغم أنها تحمل عناوين نخبوية متعالمة مزخرفة , وهو ما تكتشفه ببطء وانت تمضي في قراءة الفصول والأبواب لتجد ان الجبل قد تمخض فولد فأرا...فمن الفقرات المفككة اللامتربطة , الى القص واللزق والتباديل والتوافيق لدرجة التلفيق بين الكتب الأخرى , الى قلة الحواشي وضعفها , الى القفز الى الاستنتاجات المرسلة , الى الصياغة الرديئة والركيكة لأفكار الباحث الشخصية , ناهيك عن الأخطاء النحوية واللغوية الفاضحة...والتي من المستحيل ان تجدها في أيه اكاديمية محترمة في العالم...الى انعدام الشمولية الفكرية , لدرجة أن الرسالة تبدا بافتتاحية جذابة و بمدخل ضخم كبوابة المغارة , لتنتهي باستنتاج تافه أضيق من ثقب الابرة.. وانعدام الشمولية الفكرية كارثة تدفع بالحراك الفكري الى الى هاوية التجزء والتفتت والتقوقع في عوالم ذاتية ضيقة , وبدلا من أن نظر للأمور نظرة كلية شاملة
..نظرة (تؤنسن) الفكر والعلم وتجعله صالحا للتفكر والبحث على مستوى الانسانية كلها, وبدلا من أن نستخدم الفهم الجزئي الي لنصل الى الفهم الكلى..أصبح الباحثون يميلون الى عمل رسائل علمية ذات مواضيع اقليمية تماما ..لدرجة الانغلاق على الذات في زاوية ضيقة قد لا تهم باحثا من مدينة أخرى ولن أقول من دولة أخرى .. وهناك الاتجاه الأخطر : الاتجاه الى (شخصنة) البحث العلمى في مدح وتمجيد اشخاص بعينهم وثيقو الصلة بالباحث , ومازالوا على قيد الحياة , فضلا عن أنهم يافعين ولم يتخط أيهم الستين من العمر ..مما يحول الرسالة العلمية التي من المفروض ان تكون نزيهة ومحايدة , الى مجرد أكليشيه مبتذل وفاسد من النفاق والتزلف والمداهنة والرياء

ولكن كل هذا يتم التغاضي عنه , ربما لأن جامعات حكومتنا السنية تسير ببركة دعاء الوالدين , الذين هم مامي ودادي وأنكل الدكاترة , فا مفيش داعي نعمل شوشرة على المستوى العلمي , يعني هنعمل ايه هنرفدهم ؟ خليهم ياخدوا الدرجة ويخلصوا ويخلصونا..حتى الأستاذ الذي يناقش لا يستطيع ان يرفض الرسالة أو يقرر عدم صلاحيتها , لأن ذلك يعني اهانة المشرف..وكله بيعدي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولا يقتصر الكذب الأنيق على الجامعات , بل يتعداه الى النخبة المثقفة التى هى للأسف منقادة نحو الاعجاب بأفكار براقة محدده ...ومن اللافت للنظر في فترة من الفترات ان الكل كان منبهرا بكتاب الوجود والعدم لجان بول سارتر حين احتاجت موضة الوجودية مصر ....ورغم عدم قدرة المصري على اعتناق الفكر الملحد بشكل عام .فقد قاموا بترويج مكثف له وعلى أعلى مستوى...وهو كتاب ضخم ثقيل فكريا من الصعب فهمه من القراءة الأولى ولا حتى الثانية ..ولقد شعرت بإرهاق شديد وانا أحاول ..صحيح هو كتاب ضخم غتيت من الصعب فهمه ولكنه على كل حال ليس مستحيلا... فلأنه معقد الأسلوب والأفكار , يحتاج فهمه والتفاعل معه الى درجة ما من الثقافة والذكاء , ولذلك فإن من يفهمه يشعر بالرضا عن ذكائه ,و بأنه قد توصل الى أعلى مراتب الفكر العليا وبأنه اصبح من النخبة والصفوة المثقفة ...وبالتالي فإنه يميل إلى تبني المواقف والأفكار التى التي بذل مجهودا جبارا في دراستها , فنحن كبشر نميل الى تبني المواقف والمبادئ والأفكار التي نصل الى فهمها بصعوبة , حتى ولو كانت هذه الأفكار مجرد هراء ...لأن ذلك يشعرنا بالتميز والفرح وبروعة الإنجاز... ونبدأ في التعلم كيف نتكلم على طريقة النخبة بافتعال وتعال ...على طريقة (في الواقع) و (في الحقيقة) و(اسمحوا لي أن ابدأ)... الخ الخ الخ
وبينما تجاوز العالم كله موضة الوجودية والتجريد منذ عشرات السنين , مازلنا نحن ندور في فلكها بقوة القصور الذاتي .. كنملة التصقت بقطرة عسل لا تستطيع منها فكاكا..

.هذا غير ظاهرة التصفيق الجماعى على المحاضرات التافهة .. والضحك الجماعي على نكات بائسة في المسرحيات المبتذلة ..فالمتفرج يذهب الي المسرحية محملا بشحنة جاهزة على وشك الانفجار من الضحك ..وهو ما يفسر الايرادات الكبيرة التي تحققها أفلام اللمبي المتخلف.. ومسرحيات عادل امام عديمة المحتوى

و من التجارة بالإلحاد والترويج له من خلال العلم والفلسفة الى التجارة بالدين والترويج له ايضا من خلال العلم .. فالدكتور زغلول النجار الذي كرس حياته لا من أجل علوم الجيولوجيا ليخرج علينا باكتشاف علمي نزهو به أمام العالم كمسلمين , تفرغ للبحث عن العلم في المصحف , وكان ينشر مقالاته في صفحة كاملة بالأهرام كل ثلاثاء وهي مساحة لم يحظ بها لطفي الخولي ولا أحمد عبد المعطي حجازي نفسه , قد أطلق منذ فترة تصريحا يدعو فيه العلماء الى أخذ عينات من الحجر الأسود و مقام ابراهيم لإثبات انهما ليسا من صخور الأرض . وذلك لأن الرسول قال ان الحجر الأسود ومقام ابراهيم ياقوتتان من يواقيت الجنة ..وهذا التصريح قد اثار استياء حتى العلماء والفقهاء الذين قال أحدهم ان المعرفة بهذه المعلومات لا تفيد والجهل بها لا يضر
بالطبع توقفت مقالات زغلزل النجار في الاهرام بعد ان استهلك نفسه , فأفكاره تحمل فناءها فيها , وبعد سلسلة من التصريحات المتعصبة دينيا وبعد ان خاض في أمور لا شأن له بها ...مثل ادعاؤه ان وفاء قسطنطين قتلت ودفنت داخل الدير ..مما اضطر القساوسة الى تكذيب هذا الافتراء و اعلان انها بخير ولكن هى التي قررت الاختفاء خوفا على حياتها من القتل

وفي هذا الصدد , كان من الممكن أن نقول ان مشروع القراءة للجميع مشروع عظيم , لولا ان الذي لاحظه الجميع ان مؤسسة وزارة الثقافة لا تطرح سوى الكتب التي تتفق مع فكر النظام...ليتشبع الناس بها ولا يرون غيرها..فالكتب التي تتحدث مثلا عن الفكر الاشتراكي يستحيل ان تجدها في مكتبة القراءة للجميع , لأن مصر اليوم تعيش أزهى عصور الخصخصة وبيع البلد ....و لذا فهم يسيرون في طرح الكثير من الكتب التي تحمل طابع الموضة ...ولا تؤثر بعمق على فكر المصريين بحيث يفيقون ويثورون ... فالكل يبدو الأن مثلا منهمكين حتى النخاع في قراءة روايات جابرييا جارثيا مركيز ..لماذا؟ لأنه لا يوجد شخص مثقف لا يقرألجابرييل جارثيا مركيز..!! بالتأكيد انا اعتبر ان رواياته عظيمة ولا أقلل أبدا من شأنه...فقط أقول ان الشباب يبدون في الظاهر وثيقوا الصلة بالعلم والثقافة .. بينما هم يسيرون كالقطيع نحو موضوعات معينة بسبب الضغط الاعلامي الذي يزيد من قابلية الناس للانقياد وتصديق الكلام الفارغ..فأنت تجد الكثير في مطبوعات مكتبة الأسرة من كتب ذلك الطاقم من الكتاب عملاء النظام.. الذين يكتبون بانتظام في جريدتى الأهرام والأخبار مقالات طويلة تزينها صورهم بابتساماتهم السمجة..في حين لم أجد كتبا للنقاد المعارضين بقوة ...فالبروباجندا طاحونة كبيرة وغسالة ممتازة لغسيل المخ....

نحن عبيد الإيحاء... وعلم نفس الإيحاء كان يستخدمه ببراعة جوبلز وزير الدعاية في حكومة هتلر ...فقد كانت كل مهمة جوبلز باختصار هى إيهام الشعب الألماني عن طريق مناهج التعليم ووسائل الاعلام من صحف وراديو , بأن حكوم هتلر هي أعظم حكومة في التاريخ , وأن مبادئ الحزب النازي هي أفضل وأعظم مبادئ في التاريخ..وعملية غسيل مخ الشعب الألماني_أو أي جماعة وأى شعب_ عملية سهلة مادام الكذب يتم بإتقان , فقد كان جوبلز يردد دائما : اكذب كذبة كبيرة ولكن بثقة , وكلما كانت كذبتك كبيرة زاد عدد من يصدقونها...!!!!ا

في تجربة علمية _حقيقية هذه المرة_ أجرى بعض العلماء اختبارا ذكيا على مجموعة من المتطوعين , يهدف الى معرفة قوة الايحاء في التأثير في احساسهم بالألم عن طريق صدمات كهربية بسيطة جدا في راحة اليد...وقسموا المتطوعين الى مجموعتين : أعطوا المجموعة الأولى أقراصا تزيد الاحساس بالألم , بينما أعطوا المجموعة الثانية أقراصا تقلل الإحساس بالألم .. بالطبع ما لم يعرفه المتطوعون أن هذه الأقراص هى مجرد أقراص فيتامينات ..!! وبدأ الاختبار .. فوجدوا المجموعة التي ظنت انها تعاطت أقراصا تقلل الاحساس بالألم ساكنة وهادئة الى حد كبير , حتى مع زيادة الفولت المار في يدها , بينما راح أعضاء المجموعة التي ظنت انها تعاطت أقراصا تزيد الأحساس بالألم يقفزون مذعورين متألمين , رغم تساوي مستوي التيار في التجربتين..!!!!!..... اذن فقوة الايحاء تستطيع ان تغير ليس فقط في مفاهيمك , ولكن في احساسك الفيزيائي بالألم أو الحرارة والبرودة ..ولو سافرت اوروبا ورأيت الناس يرتدون الفانلات والشورتات القصيرة في درجة حرارة عشرة سلزيوس سوف تقلدهم وترتدي مثلهم دون ان تشعر بالبرودة بينما في مصر قد ترتدي بلوفرين وجاكتة كالأخرين ..!!!ا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إن برنامج الدكتور بون هيد وتجاربه العلمية الغبية أقوى من أي مقال أو اي عمل فني قد يسخر من هذه الظاهرة , ويفضح الهوس العالمي بجعل العلم في خدمة الأكاذيب والهراء وتسويق المنتجات الاستهلاكية حتى ولو لم يكن المستهلك يجتاجها فعلا , فهو في ظاهره جاد للغاية , ولكنه يحمل في ثناياه سخرية بديعة وراقية ورائعة ..لدرجة اني كنت أضجك بصوت مجلجل وانا اشاهده وحدي , بينما الغالب ان الضحك ظاهرة جماعية تستمد قوتها من الأخرين الضاحكين ... ولكن اضحاكي وانا اشاهده وحدي يعني انه قد وصل الي قمة الهرم الابداعي , وقمة الصدق في جذب المشاهدين.. وربما كان يعني أنني قد جننت تماما..انتظر تعليقاتكم... والسلام


النص الكامل للمقال

لماذا سيطر الفكر المتشدد على بلادنا

12.12.08 |


بقلم ايجي اناتوميست

أتحدث – تحديدا - عن سطوة وانتشار الأسلمة السياسية والثقافية في المجتمع والدولة. ليس مصر فقط. مصر جزء من كل أكبر اسمه العالم العربي والعالم الإسلامي. هوية مصر عربية إسلامية شئنا أم أبينا. الهوية ليست ما تعتقده أنت عن مصر. الهوية هي ما يعتقده أغلبية الشعب المصري عن مصر. الأغلبية ترى مصر دولة إسلامية عربية. إذن فلا تحليل سليم لمستقبل مصر إلا ويجب أن يمر عبر الطريق العربي الإسلامي أولا وقبل أي شئ

نبدأ بالتحليل.

هذه منطقة ظلت خاضعة للحكم الإسلامي الممثل في دولة الخلافة لقرون طويلة. تكونت بها ثقافة معينة تعتمد أساسا على النظرة الدينية للعالم وأموره. لم تمر بالخلافات الدينية الطاحنة كمثل التي مرت بها أوروبا مثلا في عصورها المظلمة والوسطى وأدت لبزوغ فكرة العلمانية وانتصارها على فكرة الحكم الديني. هذه منطقة عاشت قرونا في ازدواجية نفسية صعبة وحادة. تريد التقرب من الله وبلوغ جناته ولا تستطيع في ذات الوقت الوفاء باستحقاقات ذلك بسبب طبيعة البشر. فباتت تفعل في السر ما تحتقره في العلن. هذه منطقة اصطبغت فيها السياسة بطابع فرعوني إلهي امبراطوري شديد السلطوية والاستبدادية. هذه منطقة يسود بها مجتمع طبقي تراتبي أبوي ذكوري. مجتمع يقوم على فكرة "الكبير" الذي إن لم يوجد بشكل طبيعي يتم شراءه، ثم تنصيبه إلها علينا، هذا الكبير قد يكون شخص، مؤسسة، كتاب، فكرة، أو أي شئ آخر، المهم أن يكون هناك كبير أو عدة كبراء!

هذه هي ثقافة المنطقة التي تكونت عبر قرون الحكم الخلافي الديني.

انهارت الخلافة العثمانية – بحكم التطور الطبيعي لأي نظام حكم بلغ أرذل العمر وأصبح عبئا على الجميع - وبات هناك فراغ سياسي/ثقافي كبير في المنطقة. اهتزت الهوية العربية الإسلامية بشدة، وكان لا بد من ظهور ما/من يملأ الفراغ.

ظهر مشروعان أساسيان صاغا مستقبل المنطقة عبر القرن العشرين بأسره.

المشروع الأول هو المشروع التحديثي على الطريقة الغربية وقاده كمال أتاتورك في قلب الخلافة العثمانية نفسها – تركيا. كان هذا المشروع متأثرا بهزيمة الدولة العثمانية الفادحة أمام القوى الغربية في الحرب العالمية الأولي. كان متأثرا بالتخلف الحضاري والعلمي والاقتصادي الذي بان واضحا أمام التفوق العسكري والاقتصادي الأوروبي. كان متأثرا بأفكار عصور النهضة والتنوير في أوروبا. كان متبعا لفكرة غاية في البساطة: إذا كانت الخلافة – حامية الإسلام – قد تخلفت إلى هذا الحد وهي تحكم بالشرع والدين، بينما تفوقت أوروبا لهذا الحد لأنها نحيت الحكم بالدين جانبا وحكمت بالعقل والديمقراطية، إذن فلتتغير ثقافتنا ونظام حياتنا كله، ولنتقدم.

المشروع الثاني الذي ظهر كرد فعل على المشروع الأول هو المشروع الإسلامي. ويتجلي في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، أي بعد انهيار دولة الخلافة بسنوات قليلة. هذا المشروع انطلق أساسا لمواجهة الاستعمار الغربي لشعوب العالم العربي والإسلامي، وكان الدين بالنسبة له هو محفز مواجهة الاستعمار – المسيحي أو الكافر – وهو دعامة مقاومة ألاعيب الاستعمار ومحاولاته لغزو ثقافتنا وطريقة عيشنا. اعتمد المشروع الإسلامي على أفكار التراث الإسلامي وعلى ضرورة عودة دولة الخلافة أو تحقيق نوع من الوحدة الإسلامية التي تمكن المسلمين من مواجهة أعداءهم، فضلا عن التركيز الثقافي على أهمية الالتزام بتعاليم الله ومنهج الشرع في كل أوجه الحياة من أجل أن يرضى الله عنا فيبارك خطواتنا وينصرنا على القوم الظالمين.

سار المشروعان متوازيين. ازدهر المشروع الأول وتألق في عديد من الأماكن في العالم العربي – الذي كان قد بدأ في التحول إلى دول (دولة قومية أو
nation state)
ومع الحرب العالمية الثانية وظهور الاتحاد السوفيتي – الشيوعي العلماني - كقوة عالمية تساند حركات التحرر في العالم الثالث، بلغ ازدهار المشروع التحديثي الغربي في العالم العربي عنان السماء، ووصلت للحكم نخب عسكرية قومية علمانية مؤمنة بالتحديث الغربي، ومن ضمنها مصر، وساد هذا المشروع حتى هزيمة عام 1967.

لم يعن ما سبق انطفاء أو اختفاء المشروع الديني، فقد توارى فقط عن الأنظار بسبب قوة المد القومي القائم على أسس علمانية عقلانية. ومثل اصطدام التيار القومي بالغرب عاملا إضافيا سبب انحسار المشروع الديني الإسلامي، إذ أن اقناع شعوب المنطقة – ومنها الشعب المصري – بتفوق المشروع الإسلامي على المشروع القومي كان صعبا بشدة، مع الجاذبية الناصرية، وتحدي الغرب، وعدم تفاقم المشاكل الاقتصادية/الاجتماعية بسبب صغر حجم السكان وقتها وضعف وسائل الاتصالات الذي أدى لعدم ظهور المشكلات الحياتية بالشكل الذي ظهرت عليه بعد ذلك.

ومع تغير هذه الأوضاع، بات حتميا أن يزدهر المشروع الإسلامي ويعود إلى الصدارة. انهزم المشروع القومي العلماني في عام 1967. أصبح تحدي الغرب وإسرائيل مستحيلا في عيون الشعوب العربية المسلمة إلا باستدعاء قوة أكبر من القومية والعلمانية وهي الإسلاموية. أسلمة كل شئ – حتى الملبس والمشرب والمأكل - حتى يساعدنا الله وينصرنا على إسرائيل والغرب. ازدهر الاقتصاد الخليجي نتيجة دم المصريين الذي سال فوق رمال سيناء، وطارت الأفكار البدوية التي تقدم نسخة متشددة للإسلام عبر البحر الأحمر والمتوسط لتصبغ كل العالم الإسلامي – بدرجات متفاوتة – بصبغة متطرفة منغلقة.

ولكن كان أهم ما دفع المشروع الإسلامي لصدارة الساحة السياسية هي ما يمكن أن نطلق عليه أزمة الاقتصاد السياسي الدولي في الثمانينات. فقد انهارت أسعار النفط بعد فورة ارتفاعها في السبعينات مخلفة وراءها أنظمة حكم تعاني من اختلالات في الميزانيات وعجز في السيطرة الاقتصادية على دولها، مما أدى إلى تصاعد دور المعارضة السياسية لهذه الأنظمة السلطوية، وغنى عن البيان أن المعارضة السياسية في العالم الإسلامي هي دائما معارضة دينية. أضف إلى ذلك الانهيار الكبير في حجم المساعدات الاقتصادية الغربية للمنطقة مع تدهور قوة – ثم انهيار – الاتحاد السوفيتي وتراجع الأهمية الاستراتيجية للمنطقة في معادلات الحرب البادرة، فلم تبق إلا الأهمية الاقتصادية الممثلة في البترول وهذه لا تحتاج لتقديم مساعدات، فيكفي سعر البترول وما يدره من بلايين!

إذن، في الثمانينات، تعاظم التأثير الاجتماعي والثقافي للجماعات الإسلامية – بخلاف الانتقال الأيديولوجي الوهابي من السعودية تحديدا لكل العالم الإسلامي – بسبب ضعف قوة الدولة الغارقة في أزمات اقتصادية عنيفة. ومن هنا ازدادت أسلمة المجتمع بشكل ملموس، وانتشر الحجاب واللحى وسيطرت مفردات عذاب القبر وتكفير المجتمع وما إلى ذلك مما كان قبل الثمانينات منحصرا بين متبعي هذه الجماعات ولا يتعداها للشارع والعامة.

وتأتي التسعينات بما يعزز أكثر سيطرة التيارات الدينية المائلة للتشدد على الساحة الإسلامية في الدول العربية بالذات. فقد أعطى الوجود العسكري الأمريكي في السعودية بالقرب من الأماكن المقدسة، والهزيمة الساحقة للعراق في حرب 1991 أمام الجيوش الغربية، دوافع أشد لازدهار الفكر التكفيري المتطرف الذي يدعو للجهاد بلا تمييز وضد أي شخص أو جهة يراها الفقه الجهادي مُعادية لله ورسوله، فضلا عن انهيار الاتحاد السوفيتي وخلو الساحة الغربية والإسلامية من العدو المشترك الذي طالما قاتلاه سويا، فانتقلا لقتال بعضهما البعض، حتى وصلا لحادثة 11 سبتمبر الشهيرة والتي أدت ردود الفعل عليها لتعزيز المشروع الديني بل وإعطاءه كثير من المشروعية وسط الملايين الذين هالهم رد الفعل الأمريكي العنيف.

ونأتي للوقت الراهن، الذي مازال يشهد نفس المعطيات، وإن كانت أعمق وأكثر تكثيفا.

الغرب في المنطقة كما لم يحدث من قبل. الحكومات تفتح أبواب الحرية والديمقراطية على استحياء – ومرغمة – فتدخل تيارات الإسلام السياسي لتملأ الساحة. الثقافة العربية الإسلامية بطيئة التغير وتميل بشدة ناحية تفضيل الحكم تحت شعار الإسلام والدين. التسامح – مع ما يراه المسلمين من اضطهاد لهم – يكاد يختفي تقريبا ويحل محله كم لا نهائي من التعصب ورفض الآخر. الحكومات العلمانية في المنطقة مازالت تتخبط في مسار التنمية الاقتصادية ولا تستطيع أن تحقق انجازا تنمويا يستميل إليها أفئدة شعبها. الأموال الخليجية بلا نهاية والفكر المتشدد – الذي يحفظ العروش – هو البطل. التأثير الإيراني – السياسي والديني – يملأ الساحات الفارغة في العالم العربي ويجر وراءه أتباع عرب من المذهبين: حزب الله الشيعي، والأغرب منه حماس السنية! وأمامها سوريا البراجماتية الطامعة في تحقيق أي مكسب يحقق لها الهدفين الأهم لها: الحفاظ على نظام الحكم واستعادة الجولان بدون حرب.

يخطئ من يتصور أن مستقبل مصر منفصل عن مستقبل المنطقة. لم يحدث عبر تاريخ الشرق الأوسط الطويل أن سارت الأغلبية في طريق وسار أحد الأعضاء وحده في طريق آخر. كانت مصر عبر التاريخ تؤثر وتتأثر بمحيطها. كانت تقود اتجاهات سياسية/فكرية ما وتنقاد أحيانا وراء اتجاهات أخرى.

كل ما نقرأه من معطيات يؤدي لنتيجة واحدة: إنه زمن التطرف، زمن تراجع الفكر الحر والدولة المدنية. ولسوف ينقضي وقتا قبل بزوغ شمس الحرية والتقدم والنور على بلادنا. أما عن مصر وما يمكن أن يحدث فيها قريبا، فلهذا حديث آخر


النص الكامل للمقال