في بحث أسباب التخلف المصرى

10.7.08 |


بقلم إيجي أناتوميست


والتخلف يعني تدني القراءات التنموية المصرية في معظم المجالات؛ بمعنى تدني مستوى دخل الفرد المصري، وتدني مستوى تعليمه، وتدني مستوى صحته، وتدني مستوى الخدمات العامة التي تقدم له، وتدنى مستوى مشاركته في السياسة وصنع القرارات التي تمس مصيره، وتدني مستوى حرياته السياسية والاجتماعية، وكذا مستوى حرياته الدينية بالنسبة للبعض، وتدني نصيب مساهمة المصري في الانتاج الصناعي الحديث، وتدني انتاجه الفكري والثقافي، وتدني روحه المعنوية ورضاءه عن بلده بل وعن حياته بأكملها

وتتعدد الآراء في تحليل أسباب المشكلة؛ فنظام الحكم – ديكتاتوريته وفساده تحديدا- متهم أساسي في أغلب الأحوال. وأمريكا وإسرائيل والقوى الإمبريالية لا يغيبون عن الصورة. والثقافة المصرية – في وجهها العربي المسلم – هي السبب المفضل عند المفكرين العلمانيين أو أغلبهم. وعبد الناصر مجرم رئيسي عند كثيرون. والسادات مخرب عظيم عند عدد غير قليل. وغير ذلك كثير ومتعدد من الأسباب والمسببات والحكايات وبعض الأساطير.

إذن، فالحوار دائما يدور حول ثلاثة اتجاهات رئيسية. السياسة والاقتصاد والثقافة. فالسياسة أحيانا هي سبب تخلفنا (غياب الديمقراطية والقهر السياسي والفساد الخ الخ)، أو الاقتصاد (تطبيق الرأسمالية وتخلي الحكومة عن الشعب وبيع القطاع العام الخ الخ)، أو الثقافة (البعد عن الدين من وجهة نظر البعض أو كثرة التشدد والتطرف الديني في رأي البعض الآخر أو انحطاط الذوق العام وتدنى المستوى الثقافي المصري عموما، أو ما يراه البعض من طبيعة مصرية خاصة تتسبب في التخلف وتكرسه، الخ).

ويبدو أن المصريين، عموما، يعتقدون أن من بين ما سبق، فإن غياب الديمقراطية، والفساد الاقتصادي في أعلى السلطة، هما أهم سببين للتخلف المصري.
ولمعرفة الأسباب الحقيقية لهذا التخلف، من وجهة نظري، يجب تطبيق بعضا من المنهج العلمي الذي تقدمت به الدنيا شرقا وغربا، وظل غريبا عن ثقافتنا، منبوذا فيها، مطاردا، شريدا. فيجب بداية أن نفرق بين السبب والنتيجة، بين الأصل والفرع، بين المرض والعرض.

ففي رأيي أن غياب الديمقراطية وانتشار الفساد السياسي والاقتصادي ليسا أسبابا حقيقة للمسألة المصرية. بل أنهما أعراض أكثر منهما أمراض. وأنهما – وإن تسببا ويتسببا في العديد من الكوارث – إلا أن إزالتهما تماما من الصفحة المصرية لن تؤدي إلى إزالة التخلف المصري.

لنتخيل مصر شخصا مريضا. فهو يعاني من العديد من الأعراض والظواهر. وكل عرض يعاني منه يسبب بدوره أعراضا أخرى، والطبيب قد يتوه بين الأعراض المتعددة فيغفل عن الفيروس الأصلي المسبب للمرض، وبالتالي فإنه يركز على إزالة أحد الأعراض – القضاء على الفاسدين مثلا أو تغيير نظام الحكم – فيفاجَئ بنظام حكم أسوأ أو بطبقة مسيطرة أكثر فسادا، حيث أن السبب الذي يفرز هذه العفانات مازال حيا يرزق.

فما هو السبب أو الفيروس المصري؟

يقول المصريون عن مصر أنها تختلف عن كل البلاد الأخرى. يعتقدون أنها متفردة في كل شئ.. أنه ليس كفرحها فرح ولا كحزنها حزن.. أنها وحيدة في مشكلاتها وهمومها.. وأن ناسها متفردون فرادة نيلها وأهراماتها..

وفي الحقيقة.. مصر ليست متفردة كما نحب أن نفكر فيها. وإن كانت متفردة، فإنه تفرد بقدر ما أن كل بلد في العالم متفرد وله خصوصيته وظروفه. كما أنها ليست حالة خاصة بين بلاد العالم وخلق الله. وما جرى على دول الدنيا ينطبق على مصر، وغيرها من بلاد العرب التي تمر بنفس التخلف والتأخر عن موجات التقدم المتلاحقة.

ولكي أوضح سبب المسألة المصرية، أستميح القارئ عذرا في ممارسة بعض التخيل مجددا.

لنتخيل المجتمع – أي مجتمع بشري – عبارة عن أسرة واحدة مكونة من زوج وزوجة. الزوج يمتهن السرقة والزوجة تمتهن البغاء. السرقة والبغاء هما الوسيلتان اللتان يتحصل بها هذا المجتمع على رزقه ومنهما يقتات ويعيش ويحيا. إذن فهذه هي وسائل الإنتاج المتاحة لهذا المجتمع أو لهذه الأسرة. هذا هو نظامه الاقتصادي.

هل لنا الآن أن نتخيل شكل العلاقات بين طرفي هذه الأسرة؟ بين الحرامي والعاهرة؟ لا شك أن النظام الذي يديرون به أمورهم ويسيرون به شؤونهم سيكون متأثرا بشكل حاد بوظائفهم. فهذا النظام ولا شك سيكون شديد البراجماتية والغائية، بمعنى أن الغاية تبرر الوسيلة بامتياز. كما أن علاقاتهم الخارجية ستكون متقاربة مع نظرائهم من اللصوص والعاهرات أكثر مثلا من الأطباء والمحامين. كما يمكن أن نتخيل أن اللغة السياسية بين هذا الثنائي ستكون منحطة بعض الشئ، متدنية كثيرا. وفي نفس السياق لا يمكن أن نتصور أي نوع من الديمقراطية في إدارة شؤونهما، إذ سيسود الأقوى والأكثر مالا منهما ويسيطر على الآخر. هذا إذن باختصار هو شكل النظام السياسي لهذا المجتمع/الأسرة.

هل لنا الآن أن نتخيل ثقافة هذا الثنائي؟ لا شك أنها ستكون ثقافة غوغائية، طفيلية، متسلقة. لا شك أنهم سيعشقون أسوأ ما في الفن وأحطه، وسيُعرضون عن أي نوع من الثقافة المعقدة الراقية. لا شك أنهم لن يستطيعوا أن يقدروا قيمة لوحة فنية جيدة، أو عمل سينمائي يناقش فكرة فلسفية أو اجتماعية عامة، ولا شك أنهم سيكرهون القراءة ويلعنون المدارس التي تفسد الناس. هذه هي الثقافة.

طيب، لو تحول هذا الثنائي إلى مهندس وطبيبة مثلا. أو محاسب ومدرسة. هل ستختلف الطريقة التي يديرون بها أمورهم (السياسة) والوسائل التي يعبرون بها عن مشاعرهم وأحاسيسهم ( الثقافة) ؟ لا شك أنها ستختلف اختلافا جذريا. ولا شك أن المهنة تخلق ممتهنها. وأن أغلبنا لا يختار المهنة التي يمارسها. ولكنها تصنع كل مستقبله وثقافته وسياسته ومصيره.

فمن المحتم أن طريقة الانتاج التي تسود في مجتمع ما تخلق علاقات اجتماعية (سياسية وثقافية وغيرها) متأثرة بهذه الطريقة ومتشكلة على نسقها. فالمجتمع الذي يعتمد في تحصيل رزقه (دخله القومي) على أدوات العلم الحديثة (مصانع، ماكينات، أجهزة كمبيوتر، ليزر، نظم اتصالات، هندسة وراثية) يختلف كثيرا عن المجتمع الزراعي مثلا، أو التجاري، الخ، ويظهر الفرق بين هذه المجتمعات في طبيعة النظم السياسية السائدة فيها، فضلا عن الثقافة العامة من قيم وعادات وتقاليد وآراء وفن الخ.

وإذا ذهبنا للحديث عن مصر تحديدا، فإنه يمكن تشبيه مصر بأسرة مكونة من عشرة أفراد. الأب والأم فيها يمتلكون قطعة أرض موروثة عن الأجداد تدر عائدا ضعيفا. الأب والأم يستعينون بالإبن الأكبر ليساعدهم في تحصيل عائد قطعة الأرض الشهري وتوزيعه على الإخوة السبعة الآخرين الذين لا يعملون تقريبا. يتظاهرون بالعمل كل يوم. يخرجون ويذهبون ويعودون كأنهم يعملون، بينما هم في الواقع لا يعملون إلا الخروج والدخول والهيصة الكدابة. الإخوة يصرخون كل شهر وقت التوزيع شاكيين قلة الإيراد أمام متطلبات الحياة التي تغلو باستمرار. الإيراد يسرق جزء كبير منه الأخ الأكبر، كما تقتطع منه الأم جزءا لشراء بعض احتياجاتها الشخصية بعيدا عن قبضة الأب الحديدية. الأب يسرق أيضا بعض نصيب الأبناء لزوم مزاجه الشخصي. هذا هو النظام الاقتصادي المصري عبر التاريخ.

من هذا النظام تولد السياسة. الأب والأم – حتما – سيحكمون هذه الأسرة بالديكتاتورية والنار والحديد. الأب والأم (النظام السياسي) سيبررون هذا الحكم بالعديد من الوسائل مثل الدين (أن الأب رجل مصلي يعرف الله مثلا) أو الحكمة (الأب جنَّب الأسرة العديد من الكوارث التي وقعت فيها الأسر المجاورة)، أو الصراع ضد الأسرة الكبيرة في الشارع المجاور التي تريد أن تحتل منزل أسرتنا.. الخ.. الخ. سيكون حكما لا يعرف للديمقراطية طريقا مهما طالب بها الأبناء. سيحاول الأب – لإسكات ضغط الأبناء وصراخهم – إيهامهم أنه يشركهم الآن في شؤون الأسرة وأنهم أصبحوا صناع قرار، وسرعان ما يكتشف الأبناء السبعة أنهم – مثلما كانوا عبر تاريخهم – متفرجين على الهامش، وأن الأب والأم (النظام السياسي) والإبن الأكبر (الحكومة وأجهزة الأمن) يستحيل أن يفوضوا جزءا من سلطاتهم لأي من كان طالما ظلت وسائل الإنتاج (قطعة الأرض) في أيديهم. نستطيع الآن أن نعرف أن الأب سيفضل أن يرثه في الحكم إبنه الأكبر وكاتم أسراره وسط صياح الكتاكيت الصغار ورفضهم غير المؤثر. هذا هو النظام السياسي في مصر عبر تاريخها ولو تعددت الأشكال وتغيرت الصور وتبدلت الأسماء ما بين إمبراطورية وخلافة وسلطنة ومملكة وجمهورية.

الثقافة تابعة للاقتصاد مثلها مثل السياسة. هذا لا ينفي أن كل من السياسة والثقافة يؤثران أيضا في واقع المجتمع. التبعية تعني أن ملامح النظام السياسي وملامح الثقافة السائدة في المجتمع تتحدد وفقا لخصائص النظام الاقتصادي المسيطر وطريقة الانتاج المتبعة. تدور ثقافة هذه الأسرة كما نقدر أن نتصور حول عبادة الفرد. الأب يغذي الشعور الديني في أبناءه، رابطا بشكل ضمني وغير مباشر بين عبادة الله في السماء وتقديسه هو – الأب - في الأرض. فلا حياة تستقيم بغير وجود هذا الأب الضامن لحياة أبناءه. الأبناء، الذين لا يعملون ولا ينتجون شيئا ولا يدخلون في صراع مع الطبيعة لتحويلها لأشياء مفيدة، يعانون من مشاكل الفراغ وعدم تحقيق الذات، تزداد دروشتهم واقبالهم على الحشيش والحريم، يتظاهرون بالتدين الشكلي يخبئون به خيبتهم وعجزهم واحباطاتهم. يعشقون النكتة يتخففون بها من شعورهم بالقهر والقمع الذي يمارسه الأب والإبن الأكبر. تسود ثقافة منحطة فاسدة منعدمة المنطق بين هؤلاء الإخوة الذين يتزاحمون ويكيدون لبعضهم أملا في الحصول على نصيب أكبر من الريع. هذه هي ثقافة مصر، وإن جرحت الكلمات وقست.

وبدلا من أن يفهم الأبناء السبعة أن مشكلتهم كلها تنحصر أساسا في النظام الاقتصادي المتخلف، الذين يعيشون عليه ومنه، فيعملون على تغييره لنظام آخر، يغير بالضرورة سياستهم وثقافتهم، نجدهم يطالبون – فقط – ببعض العدالة في التوزيع. يطالبون بتغيير الأخ الأكبر (الحكومة) الذي استأسد عليهم وأن يحل محله آخر من بينهم. يستجيب الأب أحيانا ويختار واحدا آخر من أبناءه ليساعده في تدبير شؤون الأسرة، ولكن سرعان ما يتحول الأخ الذي يصبح في مكان الأخ الأكبر لنسخة طبق الأصل من سابقه. يتطور الأمر ليثور الأبناء مرات على الأب نفسه ويزيحونه من القمة، يقررون إقامة حكم ديمقراطي من بينهم. مرة أخرى، يتفرعن هذا الحاكم الجديد ويستعيد سيرة الأب ويحذو حذوه. هذه هي طبيعة الأمور في مصر، تحتمها وتفرضها ضرورات الاقتصاد وخصائصه.

النظام الاقتصادي الريعي السائد في مصر منذ آلاف السنين يخلق سياسة فرعونية مركزية ديكتاتورية وثقافة خانعة خائفة مستكينة.

النظام الاقتصادي المصري يميل تاريخيا للاشتراكية ويكره الرأسمالية. يميل للتنميط ويكره التفرد. يميل للتكرار ويكره الإبداع. يميل لحكم الفرد ويكره التعدد. يميل للرأي الواحد ويكره الاجتهاد.

تحدث بلا شك انعطافات وتغيرات. تحدث ثورات وتبدلات في نظام الحكم والنظام السياسي ولكن سرعان – سنوات قليلة – ما تعود المياه المصرية إلى مجاريها الأزلية.

تغيير النظام الاقتصادي المصري – عن طريق تصنيعه وإدخاله عصر الرأسمالية الصناعية ثم الرأسمالية المعلوماتية – هو الطريق الوحيد – أكرر الوحيد – لإحداث التغير المنشود في السياسة والثقافة المصريتين.

أضحك ملء الفم من مطالب بالديمقراطية في السياسة والاشتراكية في الاقتصاد في نفس الوقت. الاشتراكية لا تنتج ديمقراطية ولا حرية. لم يحدث عبر التاريخ ولن يحدث. التناقض بينهما مثل التناقض بين سالب وموجب المغناطيس.

أضحك ملء الفم من مطالب بالديمقراطية في السياسة وتطبيق الشريعة الإسلامية في السياسة أيضا. كمن يقول أنه يريد نظاما اشتراكيا رأسماليا، أو نظاما مدنيا عسكريا.

لا ينخدعن أحدكم في التحولات الاقتصادية الجارية في مصر خلال السنوات الأخيرة أو إذا شئت فقل منذ عام 1974 عام بداية الانفتاح الاقتصاد المصري. إسمع يا سيدي: الاقتصاد المصري – حتى تاريخه – لم ينفتح بعد. الاقتصاد المصري مازال يميل للاشتراكية والمركزية والريعية. مازال ثلث – أو أكثر – القوة العاملة المصرية تعمل بالحكومة (عفوا هي لا تعمل) وتتحصل على العائد الشهري من الأب. مازالت معظم وسائل الإنتاج في يد الدولة. وبالتالي فستستمر ديكتاتورية الدولة طالما استمرت سيطرتها على الاقتصاد.

يا مصريين: لكم في دول شرق أوروبا أسوة حسنة. لكم في شرق آسيا وجنوب شرق آسيا أسوة حسنة. لكم في أمريكا اللاتينية أسوة حسنة. كل هذه الدول غيرت نظامها الاقتصادي وانفتحت انفتاحا كاملا على العالم ورحبت بالعولمة الاقتصادية وحدثَّت اقتصاداتها ولم تنشغل عن هذا الهدف بغيره. والنتائج؟ السياسة تتغير في هذه الدول. مزيد من الحريات والديمقراطيات (غصب عن عين أي حاكم) مزيد من التقدم الاجتماعي. مزيد من السعادة لشعوبها. مزيد من الثقافة الرفيعة. مزيد من كل شئ حسن وقليل من كل شئ سئ